ج1 9 شهور حكايات رومانى مكرم

وفي ليلة من أصعب الليالي، بنتي جابها الطلق.. جراوي وإسعاف ومستشفى، وليلة كاملة في العمليات ونار زايدة في قلوبنا. ولدت بنتي بالسلامة وجابت ولد زي القمر، حتة سكرة نسيتنا التعب كله.

وأول ما طلعت من غرفة العمليات وبدأنا نتنفس الصعداء، تليفون بنتي رن.. كان اسم “مجدي” على الشاشة. مسكت التليفون وفتحت السبيكر وحطيتها جنب أذن بنتي وأبوها وإخواتها واقفين حواليها وساكتين تماماً.

#الكاتب_رومانى_مكرم_

صوت مجدي جه من الناحية التانية، لا فيه لهفة ولا مباركة ولا سؤال عن صحتها، قال ببرود ويقين:

* “سمعت إنك ولدتي.. مبروك. بس خلي بباكي وياكي في الصورة، أنا مش هدفع مليم واحد في مصاريف المستشفى ولا الولادة، ولا ليا دعوة بأي حوارات مادية.. إنتوا اللي اخترتوا تولدوا عندكم!”

ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ معدودة، صمت يسبق العاصفة، والكل عينه متسمرة على شاشة التليفون اللي كان الصوت طالع منه بسبيكر زي السم ينقط في الأذن. بنتي، اللي كانت لسه طالعة من بنج القيصرية ووشها أصفر زي الليمونة، شفتها كانت بترتعش ودمعة سخنة كوت خدها ونزلت على الملاية البيضا.

أبوها، الراجل الطيب المريض، جبهته اتملت عروق زرقا طالعة لبره، ومسك طرف السرير وهو بيدوس على سنانه، لكن إخواتها الولاد ما استحملوش. أحمد، ابنها الكبير، زق إيدي اللي ماسكة التليفون ومسك الفون ونطق بصوت زي الرعد يهز جدران المستشفى:

* “يا عار الرجال! يا اللي خسارة فيك اسم راجل! تسمع إن مراتك بتجيب حتة منك وتقول مش دافع؟ وحياة دموع أختي وحياة العذاب اللي شافته على إيدك وإيد أمك، لحسابك معانا هيكون عسير.. ومش كلام تليفونات!”

مجدي على الناحية التانية رد ببرود يفرس ومستفز، وكأنه كان ترتيب متفق عليه مع أمه:

* “أعلى ما في خيلكم اركبوه! أنا ما رميتهاش من بيتي، أنتم اللي أخدتوها، وطالما الحمل والولادة تموا بعيد عن بيتي، يبقى مصاريفها تلزمكم.. والولد ده لما يكبر ويقف على رجليه يجيلي، غير كده ما يلزمنيش مصاريف!”

وقفل الخط في وشنا!

أنا دموعي نزلت، مسكت إيد بنتي اللي كانت بتصرخ بصوت مكتوم وتقول: “يا باباي، أنا ذنبي إيه؟ أنا قصرت معاه في إيه عشان يعمل فيا وفي ابننا كده؟ ده أنا ما شوفتش منه يوم عدل من أول ما دخلت بيته!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *