ج 3 حكايات نور محمد

على الناحية التانية، كان المشهد يرعب.

الحاجة سناء وأخت جوزه سمر واقفين جوة القفص الحديدي. الحاجة سناء كانت باصة للأرض، وشها دبلان، وثوبها اللي كانت بتتفاخر بيه بقى مبهدل ومطرب من بيت النيابة. سمر كانت بتبكي بحرقة وتصرخ كل ما عينها تجي في عين أحمد. وبرة القفص، كان واقف جيش كامل: الحاج متولي، وإخوات مدحت الأربعة، ومعاهم تلات محامين كبار العيلة أجرهم مخصوص عشان يقلبوا الطاولة.

وكيل النيابة دخل، وساد الصمت القاتل في القاعة.

بدأت الجلسة، وقام محامي العيلة “الأستاذ فاروق”، راجل في الستينات بصوت جهوري ونبرة فيها مكر وسنين خبرة في المحاكم. وقف قدام منصة النيابة وقال بنبرة تمثيلية مليانة حزن:

— يا سيادة المستشار… القضية دي مش قضية اقتحام ولا سرقة بالإكراه، دي مأساة عائلية تسبب فيها طمع جارف وتدليس! المتهمة الأولى هي أم المجني عليه، مسنة ومريضة، والمتهمة الثانية هي أخته الشقيقة. اللي حصل ليلة الأربعاء كان مجرد محاولة من الأم لاسترداد أموالها وأملاكها اللي استولى عليها ابنها بالتدليس وبنوكيل رسمي استغله ضد إرادتها!

وكيل النيابة بصل لأحمد وبعدين بص للمحامي وقال:

— وإيه قولك في البلطجية والشوم وكسر الباب وإصابة المجني عليه بتسع غرز في رأسه؟

المحامي فاروق ابتسم بمكر وقال:

— البلطجية دول هما أقارب زوج الابنة، اتدخلوا بشهامة صعيدية لما عرفوا إن الابن بيحاول يهرب بأموال العيلة ويبيع أرض المزرعة بربع تمنها لحساب زوجته الغريبة! وما حدث من إصابات كان نتيجة اشتباك بالأيدي ودفاع عن النفس بعد ما الابن هدد الجيران بشومة! ونحن نطالب بالإفراج الفوري عن المتهمتين بأي ضمان، ونقدم دعوى بطلان للتوكيل واسترداد الأموال المهربة لحساب الزوجة!

الهمهمات علت في القاعة، والحاج متولي هز رأسه بابتسامة انتصار وهو بيبص لأحمد كأنه بيقوله: “قلتلك العيلة هي اللي هتكسب”.

أنا قلبي سقط، ومسكت في طرف الدكة الخشب. المحامي فاروق قدر بكلمتين يقلب الحقيقة ويخلي المجرم ضحية، ويصور أحمد على إنه الابن العاق اللي نصب على أمه عشان مراته!

في اللحظة دي، وقفت الأستاذة نيفين بكل ثبات، فتحت روب المحاماة الأسود، وحطت حافظة مستندات على مكتب وكيل النيابة بصوت مسموع:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *