الضحية والجلاد ج 2 حكـايات مني السيد

جريت ناحية “لوحة التحكم” في ركن المكتب. المكتب متصمم بنظام سمارت، كنت عاملاه كجزء من تطوير الشركة. بلمسة واحدة على زرار مخفي تحت الطاولة، كل أنوار المكتب نورت فجأة، بضوء أبيض ساطع زي ضوء النهار، وكأن فيه فلاش كاميرا ضخم اتضرب في عينيه.
محمود اتصدم من النور، ووقع على الأرض وهو بيحاول يغطي عينيه بإيده. استغليت الفرصة، وجريت ناحية باب المكتب اللي بيفتح على الممر، وخرجت وقفلته ورايا بسرعة… بس نسيت حاجة واحدة: المكتب ده بباب زجاجي مقوى، لو ضغطت على كود القفل من بره، هيتحول لزنزانة.
ضغطت الكود. الباب اتقفل بتكة ميكانيكية قوية. محمود خبط على القزاز بإيده، وبدأ يصرخ بجنون ويحاول يكسر الباب بالس/كينة اللي في إيده. القزاز ما اتحركش، كان أمتن من غضبه.
وقفت ورا القزاز، بنهج، ودموعي بدأت تنزل من الادرينالين اللي في جسمي. هو كان جوه، وأنا بره.
— افتحي الباب يا داليا! افتحي يا جبانة! هق/تلك! وحياة أمي هقت/لك!
طلعت موبايلي، وبأيد بترعش اتصلت بالضابط طارق.
— طارق بيه… محمود عندي في المكتب. قفلته عليه. تعالوا بسرعة!
بصيت لنهى اللي كانت لسه واصلة مع الحرس، كانت مذهولة وشايفة الموقف. حضنتني جامد وهي بتبكي.
— خلاص يا داليا، كابوس وخلص. هو جوا، والشرطة في الطريق.
قعدنا على الأرض في الممر، مستنيين. الموقف كان سريالي. محمود اللي كان بيخطط يتجوزني عشان يسرقني، قاعد دلوقتي محبوس في أوضتي، بيخبط على القزاز زي الحيوان المحبوس في قفص. كان بيبص لي وعينيه مليانة انكسار، مش غضب بس. انكسار واحد عرف إن اللعبة انتهت.
بعد دقايق، صوت سرينة البوليس ملى المكان. الضابط طارق دخل مع رجالة مسلحة، أحاطوا بالمكتب. محمود، لما شافهم، رما الس/كينة على الأرض وبدأ ينهار، قعد على الركبة ورفع إيده، وكأنه استسلم أخيرًا للواقع اللي كان بيحاول يهرب منه.
فتحوا الباب، ودخلوا عليه. مفيش أي مقاومة، كان خلاص خلصان.
وأنا واقفة بتبص، حسيت إن فيه حمل جبال اتشال من على كتافي.
الأيام اللي بعد كده كانت زي العاصفة. محاكمات، تحقيقات، وشهادات.
عيلة الشناوي وقعت زي بيت الورق. سهير، الدكتورة الجامعية، دخلت السجن بتهمة التعذيب والتحريض. وعمي حسن، رجل الأعمال المحترم، طلع غرقان في قضايا نصب وتزوير أوراق رسمية عشان يغطي ديونهم، وحكموا عليه بالسجن. أما محمود… فكان له نصيب الأسد من الأحكام بسبب محاولة الق/تل والهروب من الحجز.
في وسط كل ده، كانت نهى هي بطلتي الحقيقية. نزلت وشهدت بكل حاجة، وبكل جراءة حكت عن سنين الذل اللي عاشتها.
بعد ست شهور من الواقعة دي، كنت واقفة في مكتبي، بفتح فرع جديد للشركة. نهى كانت واقفة جنبي، بتظبط ترتيبات الحفل. لبسها كان شيك، وشعرها كان متسرح بنعومة، وعينيها كان فيها بريق حياة ما شفتوش فيها قبل كده.
— داليا، إنتِ متأكدة إننا جاهزين؟
بصيت لها وابتسمت.
— إحنا مش بس جاهزين يا نهى، إحنا مستعدين نغير قواعد اللعبة.
في الحفل ده، عزمت ناس كتير. رجال أعمال، أصحاب شركات، وكمان الضابط طارق اللي كان له فضل كبير في إنقاذ حياتي.
لما وقفت ألقي كلمة، بصيت للحاضرين. ما كنتش بكلمهم عن أرباح ولا عن توسعات. كنت بكلمهم عن الستات اللي بيتم استغلالهم، عن الظلم اللي بيتحط في قوالب “احترام” و”عيلة”، وعن القوة اللي ممكن نلاقيها جوانا لما نقرر إن كفاية كده.
نهى وقفت جنبي، والكل صفق لنا. كان لحظة انتصار مش بس عليا، دي كانت لحظة انتصار لكل واحدة مريت بتجربة شبه تجربتنا.
لما رجعت البيت في اليوم ده، قعدت لوحدي في البلكونة. كان الجو هادي. مسكت تليفوني وبصيت على الرسالة اللي كنت كتبتها لمحمود في المحكمة، رسالة ما بعتهاش، بس كنت محتاجة أكتبها عشان أفرغ كل اللي في قلبي.
“يا محمود… إنت كنت فاكر إنك بتلعب بيا، بس الحقيقة إنك كنت بتلعب بحياتك. إنت ما كنتش ضحية للديون ولا للظروف، إنت كنت ضحية لنفسك ولطمعك. أنا مش شايلة لك غل، لأن الغل ده طاقة، وأنا قررت أستثمر طاقتي في بناء بدل ما أضيعها في الهدم. أتمنى السجن يعلمك درس عمرك، إن الكرامة مش بالفلوس ولا بالفيلا، إنما بالأفعال.”
سحبت “ديليت” على الرسالة. خلاص، ما بقاش له وجود في تفكيري.
بصيت قدامي، للدنيا اللي لسه مفتوحة قدامي. شركتي كبرت، نهى بقت مديرة الفرع الجديد، وحياتي خدت منحنى تاني خالص.
بقيت أصحي الصبح وأنا عارفة إني مسؤولة عن قراراتي، مسؤولة عن حياتي، ومسؤولة عن حماية كل اللي بيشتغلوا معايا.
في يوم، كنت ماشية في المول، شفت واحدة ست، كانت بتبص على فستان، وبصيت وراها لقيت جوزها بيكلمها بطريقة مش كويسة، وبيسحبها من إيدها بقوة.
قلبي وجعني. وقفت لحظة، فكرت: “هل أتدخل؟”
لا، مش هتدخل في حياتهم، بس قررت أعمل حاجة تانية.
دخلت المحل، ووقفت جنبها، ابتسمت لها وقلت لها: “الفستان ده لايق عليكي أوي، يخليكي تحسي إنك ملكة.”
الست بصت لي باستغراب، وبعدين ابتسمت ابتسامة خجولة، وقالت لجوزها بصوت مسموع: “أنا هاخده.”
جوزها سكت، وكأنه اتفاجئ بثقتها اللي ظهرت فجأة.
مشيت وأنا حاسة إن ده هو دوري دلوقتي. مش بس أنجح في الشغل، بس أساعد غيري يشوفوا قوتهم.
الحياة مش دايماً وردي، وهنواجه تحديات، وهنقابل ناس زي عيلة الشناوي. بس السر مش في إزاي نتجنبهم، السر في إزاي نخرج من مواجهتهم أقوى، أنضف، وأكثر وعي.
نهى دخلت مكتبي ومعاها فنجان قهوة.
— داليا، فيه عميل جديد عايز يقابلنا، بيقول إنهم شافوا شغلنا في الحفل الأخير وعايزين نعملهم تنظيم كامل لافتتاح فرعهم.
أخدت القهوة، وابتسمت لها.
— خليهم يدخلوا يا نهى. نوري المكتب… إحنا لسه بنبدأ.
القصة دي مش نهايتها إني انتقمت، نهايتها إني لقيت نفسي. لقيت داليا الحقيقية اللي كانت مستخبية ورا طموح الشغل وورقة الجواز. لقيت إن القوة الحقيقية مش في إنك تكسر اللي قدامك، القوة هي إنك تبني نفسك لدرجة إن مفيش حد يقدر يكسرك.
كل ما أبص للفيلا اللي كانت عيلة الشناوي عايشين فيها، واللي بقت دلوقتى جزء من أصول الشركة، بفتكر نهى وهي في المطبخ، بتاكل رز ومية، وبفتكر الكدمات اللي كانت على إيديها. وبوعد نفسي، إن لا نهى، ولا أي ست تانية، هتعيش كده تاني طول ما أنا موجودة.
مرت سنين، وكل ما أفتكر الليلة دي، ليلة الخناقة في المكتب، ببتسم. مش ليلة الرعب، لا، دي كانت ليلة “الميلاد التاني”.
في يوم من الأيام، كنت في مكتب نهى، بنراجع الحسابات، وقالت لي:
— داليا، كريم جوزي… بعت لي رسالة من السجن.
وقفت، وبصيت لها.
— وعايز إيه؟
