الضحية والجلاد ج 2 حكـايات مني السيد

سيبته واقف يضرب دماغه في حديد الحجز، وخرجت بره القسم وأنا حاسة بنسمة هواء باردة بتغسل كل التعب والخوف اللي عشته الأسبوعين اللي فاتوا.
بعد يومين من الليلة دي، قعدت في مكتبي بالشركة. المكان كان هادي، والموظفين بدأوا يرجعوا لشغلهم الطبيعي بعد ما الإشاعات مالت البلد. سمر دخلت ومعاها كوبايتين قهوة، حطت واحدة قدامي وقعدت:
— ها يا شريكتي الكبيرة، خطوتنا الجاية إيه؟
— خطوتنا الجاية هي نهى يا سمر. البنت دي لازم تقف على رجليها. أنا كلمت المحامي يرفع لها قضية خلع من كريم، وبدأنا إجراءات عشان تاخد عيالها من المدرسة الداخلي ويعيشوا معاها. وهتقعد معايا في شقتي القديمة لحد ما أمورها تتظبط.
سمر ابتسمت:
— وإنتِ يا داليا؟ مش خايفة محمود أو عيلته يخرجوا بكفالة ويفكروا ينتقموا؟
شربت بوق من القهوة وبصيت لها بثقة:
— يخرجوا فين؟ المحامي بتاعي جاب قرار حظر سفر ليهم كلهم بناءً على قضايا الديون الجديدة اللي حركناها ضدهم. وشركة الدعاية الفاضية اللي كانوا عايزين ياخدوها، أنا قدمت طلب إفلاس رسمي ليها بسبب الديون الوهمية اللي عملناها مع شركتك الجديدة. يعني هما دلوقتي لو فكروا يحطوا إيدهم على أي حاجة، هيلاقوا نفسهم مطالبين يدفعوا ملايين تانية هما مملكوش منها جنيه واحد. العيلة دي انتهت يا سمر، انتهت للأبد.
تليفون المكتبي رن، سمر ردت وقالت لي:
— داليا، ده محامي عيلة الشناوي على التليفون، بيترجاكي تقابليه عشان يوصل لصلح أو تنازل عن قضية التعذيب مقابل إنهم يكتبوا لنهى تنازل عن كل مستحقاتها وعيالها بالود.
أخدت السماعة وقولت بنبرة حادة:
— اسمع يا متر، قول لسهير ومحمود إن داليا سامح مبيتلويش دراعها. مفيش صلح ومفيش تنازل. هما هيتحاكموا وهيأخدوا جزاءهم، ونهى هتاخد عيالها بحكم القانون غصب عن عين أي حد. والفيلا بتاعة التجمع دي، أنا هشتريها من المزاد العلني لما البنك يعرضها للبيع، وهعملها فرع جديد لشركتي… عشان كل ما يفتكروا اسمي، يعرفوا إنهم لعبوا مع الشخص الغلط.
مر أسبوع كمان، والأمور بدأت تاخد مجرى رسمي وصارم. نهى راحت عاشت معايا، وبقت واحدة تانية خالص. قصت شعرها المتبهدل، وبدأت تاكل كويس، والضحكة رجعت لوشها من تاني بعد ما شافت عيالها في حضنها. في يوم بالليل، كنا قاعدين بنشرب شاي في البلكونة، بصت لي وقالت:
— داليا… أنا ساعات بكتشف إني كنت عايشة في وهم. كنت فاكرة إن الفلوس والفيلا والمظاهر هما الأمان، ووافقت على إهانات كتير في الأول عشان مأرجعش بيت أهلي مطلقة. بس شوفتك إنتِ، واقفة بطولك، بتمشي شركة وفي نفس الوقت مخلتيش كلب فيهم يقدر يكسرك. أنا عايزة أشتغل معاكي يا داليا، عايزة أتعلم أكون قوية زيك.
مسكت إيدها وقولت لها:
— وإنتِ قوية يا نهى. الست اللي تستحمل كل ده وتخاطر بنفسها عشان تنقذ بنت متعرفهاش من نفس المصير، تبقى بـ 100 راجل. من بكره تنزلي معايا الشركة، هتبدأي في قسم العلاقات العامة وتتعاملي مع الناس، وعايزاكي تفتكري دايماً إن مفيش بني آدم في الدنيا يقدر يكسرك طول ما إنتِ واقفة على أرض صلبة.
لكن الدنيا مبتمشيش دايماً بالسهولة دي…
يوم السبت الصبح، وأنا داخلة الشركة، لقيت سمر بتجري عليا ووشها مخطوف تماماً:
— داليا! الحقيني! مصيبة!
— في إيه يا سمر؟ اتكلمي بسرعة!
— محمود… محمود هرب!
— هرب إزاي؟ ده محبوس على ذمة القضية!
سمر كانت بتنهج وهي بتوريني الموبايل:
— المحامي لسه مكلمني. محمود ادعى التعب امبارح بالليل ونقلوه مستشفى قصر العيني تحت الحراسة. وفي وسط الفجر، دخل واحد قريبه متنكر في لبس دكتور، خدر العسكري اللي واقف على الباب، ومحمود هرب معاه! والشرطة مقلوبة عليه دلوقتي. بس المشكلة مش هنا يا داليا… المشكلة إن المحامي بيقول إن محمود ساب رسالة على سرير المستشفى مكتوب فيها اسمك واسم نهى!
حسيت برعشة خفيفة مشت في ضهري، بس ثبت نفسي. محمود بره، وداير زي الكلب السعران، ومعندوش حاجة يخسرها بعد ما خسر فلوسه وسمعته وعيلته.
طلعت موبايلي وكلمت الضابط طارق فوراً:
— ألو، طارق بيه… عرفت بموضوع محمود؟
— أيوة يا داليا، لسه كنت هكلمك. إحنا بعتنا قوة حراسة تقف تحت شقتك وتحت الشركة. محمود دلوقتي خطر لأنه بيمر بحالة جنون وممكن يعمل أي تصرف متهور. أرجوكي خدي بالك وماتتحركيش من غير حراسة، وخلي نهى معاكي دايماً.
قفلت السكة وأنا ببص لسمر ونهى اللي كانت واقفة ورايا وبتترعش من الخوف تاني:
— داليا… محمود هيجي يقت/لنا صح؟ محمود مش هيسيبنا في حالنا!
قربت منها وحطيت إيدي على كتفها وقولت بصوت قوي ماليان تحدي:
— محمود أجبن من إنه يواجه يا نهى. هو دلوقتي بيدور على جحر يستخبى فيه. بس لو فكر يجي لحد عندي… هيبقى هو اللي كتب نهايته بإيده. أنا مش هخاف، وإحنا مش هنستخبى.
وفعلاً، مر يومين والتوتر مالي المكان. الحراسة واقفة تحت الفيلا وتحت الشركة، وأنا بمارس شغلي عادي جداً بس عيني وسط راسي.
في يوم، الساعة كانت حوالي تسعة بالليل، كنت سهرت في المكتب لوحدي بخلص ميزانية الشركة الجديدة. سمر ونهى كانوا مشيوا من بدري مع الحارس.
قمت عشان ألم حاجتي وأمشي، وفجأة… النور انقطع عن الدور كله!
صمت تام وسكون مرعب حل في الشركة. طلعت كشاف الموبايل وبدأت أمشي براحة في الممر الواسع بين المكاتب. سمعت صوت خطوة خفيفة ورايا… خطوة سريعة.
لفيت بسرعة ووجهت كشاف الموبايل ناحية الصوت…
ولقيت قدامي شخص لابس كاب مغطي وشه، وفي إيده سـ*ـكينة طويلة بتلمع في الضلمة.
الراجل رفع راسه، وبان وشه تحت ضوء الكشاف… كان محمود! بس وشه كان متبهدل، ودقنه نبتت، وعينيه كانت طالع منها شرار وجنون كامل.
ابتسم ابتسامة مرعبة وقال بصوت فحيح الأفاعي:
— قولتلك يا داليا… إنتِ اللي ضيعتي نفسك… والنهاردة، شقا عمرك وروحك هينتهوا هنا…
#حكايات_مني_السيد
الفصل الأخير: الحقيقة اللي بتوجع.. والبداية اللي بتبدأ
الضلمة كانت تقيلة، مفيش غير نور الموبايل اللي بيهزّ المسافات، بيعمل خيالات مرعبة على الحيطان. محمود كان واقف، شكله مبهدل، هدومه اللي كانت دايمًا مكوية بقت مشقوقة، ودقنه خشنة وعينيه غايرة لجوه، فيها لمعة جنون ما شفتهاش في حد قبل كده. الس/كينة في إيده كانت بتبان وتختفي مع حركة إيده العصبيّة.
قلبي كان بيدق في ودني زي طبلة، بس عقلي كان أسرع من خوفي بكتير. سألت نفسي: “داليا، إنتِ بنيتي الشركة دي طوبة طوبة، هتسمحي لواحد زي ده ينهيها؟ لا طبعاً.”
محمود اتنفس بصوت عالي ومسموع، وقرب خطوة تانية.
— عارفة يا داليا؟ أنا كنت بحبك بجد… في الأول. كنت شايفك طوق النجاة، كنت شايف فيكي الست اللي هتخرجني من جحيم عيلة الشناوي. بس إنتِ اللي أجبرتيني! إنتِ اللي خليتيني أتحول للوحش ده. لولا طمعك في شركتك، ولولا أنانيتك في إنك ترفضي تساعديني، ماكنتش وصلت لهنا!
ضحكت بسخرية، كانت ضحكة طالعة من روحي، حتى وأنا في الموقف ده.
— تلومني أنا يا محمود؟ تلوم الضحية إنها رفضت تكون قربان؟ إنت مش محتاج مساعدة، إنت محتاج مصحة. إنت وعيلتك كنتوا عايزين تسرقوا شقا عمري عشان تداروا على فلاسكم وعمايلكم السودا. متلبسنيش توب الذنب عشان تغطي على وساختك.
اتجنن من كلامي، واندفع نحوي فجأة، بس أنا كنت عارفة أنا فين. دي مكتبي، دي مملكتي اللي أنا راسمها. عارفة كل حتة فيها، عارفة فين الكراسي، وفين الأسلاك، وفين مخارج الطوارئ. رميت في وشه كاس القهوة اللي كان على مكتبي، مية سخنة طرطشت في وشه، فصرخ وغمض عينيه للحظة.
اللحظة دي كانت كفاية.
