ثمن الجدعنة حكايات نرمين عادل همام

ريحة الديتول والمطهرات في أوضة مستشفى الشروق التخصصي كانت خانقاني وقافلة نفسي، بس بصراحة المرارة اللي كانت بتغلي في دمي كانت أقوى من أي حاجة. كنت واقفة جنب سرير الحاجة صفية، بتابع وشها المخطوف وعينيها اللي بدأت تفتح واحدة واحدة وهي بتفوق من البنج. الست دي كانت فاكرة إن اللعبة خلصت، وإنها خلاص خدت كليتي وبقيت أنا حتة خردة ملهاش لازمة، وهي اللي هتقوم وتعيش وتتنطط بصحتي.

بصوت مبحوح وناشف زي الأرض البور، رفعت صباعها اللي بيرتعش وشاورتلي على باب الأوضة. مفيش في عينيها ذرة رحمة ولا حتى كسوف، وقالتلي بقلب ميت، كتر خيرك أوي لحد كدة. إنتي عملتي اللي عليكي وزيادة، وطالما أخدنا الكلية يبقى دورك في المسرحية دي خلص. لمي كراكيبك وهدومك واطلعي بره عيلتنا. حسام ابني مقامه عالي، ويستاهل واحدة من مستواه، بنت ناس وذوات، مش حتة شغالة جبناها من الشارع عشان تخدمنا وتدينا حتة من لحمها وتغور في داهية.

لفيت وشي بالراحة ناحية حسام. كان واقف متسمر في ركن الأوضة، وشه أصفر زي الليمونة وكأنه ميت. الصفار ده مكنش كسوف من قلة أصل أمه، لأ، ده كان رعب وخوف من إنها كشفت الورق بدري أوي. كان مستني أخرج من المستشفى دايخة وتعبانة عشان يمضيني على ورق التنازل عن نصيبي في الشركة، بس أمه بوظتله الخطة بغبائها وتسرعها.

بصيتلهم هما الاتنين بهدوء، هدوء ما قبل العاصفة اللي هتهد المعبد على دماغهم بعد عشر سنين من الظلم والقهر. رجعت خطوة لورا، ومسكت شنطتي الجلد السودة بكل ثبات، فتحت السوستة وطلعت منها ورقة رسمية عليها ختم النسر من إدارة المستشفى وقسم زراعة الأعضاء.

وبصوت واضح وقوي، صوت زلزل حيطان الأوضة، قلت، كلية إيه اللي بتتكلمي عنها يا حاجة صفية؟ ومين ضحك عليكي وقال لك إن كليتي بقت في جسمك أصلا؟

حسام عينيه برقت وبقت قد الفنجان، وقرب مني وهو بيبلع ريقه وبيقول، ياسمين.. إنتي بتخرفي تقولي إيه؟ العملية خلصانة بقالها ساعتين!

ضحكت ضحكة كلها سخرية ووجع رنت في الأوضة كلها ورديت، عملية إيه يا أبو عملية؟ مفيش حاجة اتعملت يا حسام. أمك ضغطها عيلي الصبح من التوتر، والدكاترة طلعوها بره أوضة العمليات. وفي الوقت اللي إنت كنت واقف فيه على سلم الطوارئ، بتكلم نيفين الشاذلي وبتوعدها إنك هترميني في الشارع زي الكلاب، وهتطلقني بمجرد ما تاخدوا كليتي.. أنا كنت واقفة ورا الباب، وسجلت كل حرف طلع من بوقك.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *