ثمن الجدعنة حكايات نرمين عادل همام

رفعت إيدي في وشه زي العسكري وقولتله، إياك تفكر تلمسني! عشرة كفاح إيه يا أبو كفاح؟ إنت كنت بتعاملني زي المكنة اللي بتجيب فلوس ببلاش. عشر سنين بحالهم وأنا بشيل كراتين في مخازن العاشر من رمضان، وبظبطلك حسابات وضرايب، وبسهر للفجر عيني تطلع عشان أخلص الفواتير، وفي الآخر جنابك تروح تلبسلي ساعات غالية وتدفع فواتير أوتيلات وفنادق لنيفين هانم من شقايا وتتعشى معاها على حسابي؟ أنا مش بس سحبت كليتي يا حسام.. أنا سحبت عمري وحياتي كلها من سكتك.
طلعت من الشنطة ملف مليان صور مطبوعة لكل التحويلات البنكية اللي سهرت انسخها امبارح بالليل، ورميتها في وشه عشان الورق يتنطور على سرير أمه وعلى الأرض. وقولتله، اتفرج يا باشا.. دي صور التحويلات اللي طلعت للشركة الوهمية اللي فتحتها في مدينتي عشان تغسل فيها فلوسنا. ودي فواتير الأوتيلات والمجوهرات اللي جبتها للست هانم. كل مليم سرقته من الشغل اللي كبرته معاك بدمي وصحتي متوثق هنا بالقرش. ومن بدري أوي المحامي بتاعي في المحكمة، بيرفع قضية فرض حراسة على الشركة، وقضية طلاق للضرر، ده غير طلب تعويض كامل وشامل عن كل سنين السخرة اللي اشتغلتهالك من غير ما أقبض جنيه.
حسام رجع لورا خطوتين، والقناع اللي كان لابسه وقع خالص، وبان على حقيقته راجل أناني وصغير ومكسور، وقال، ياسمين، إنتي كدة بتخربيها! الشركة هتقع وتفلس! البنوك هتحجز على كل حاجة لو الشركا شموا خبر بالحسابات دي!
رديت عليه ببرود الدنيا، تولع الشركة، ويولع حسام، وتولع الحاجة صفية فوقيكم!
دي كانت آخر كلماتي ليهم. لفيت واديتهم ضهري بكل كبرياء، وسبت ورايا صريخ وعويل ولطام مابقاش يلزمني أسمعه. خرجت من باب الأوضة 504، وخطواتي على بلاط المستشفى كانت خفيفة كأني عصفورة بتطير، وكأن جبل هموم انزاح من على صدري للأبد.
نزلت من المستشفى وأنا بتنفس حرية، وشاورت لأول تاكسي وقلتله طوالي على الإسماعيلية عند أمي. طول الطريق كنت ساندة راسي على الشباك وبتفرج على الشوارع وكأني بشوفها لأول مرة في حياتي. الشمس كانت طالعة ومنورة، والهوا كان بيدخل صدري نضيف ومفيهوش ريحة السموم والاستغلال اللي عشت فيهم.
أول ما وصلت خبطت، وأمي فتحتلي الباب. ملامحها كانت دبلانة، وعينيها وارمة من كتر القلق والعياط من ساعة ما عرفت ميعاد العملية. بس أول ما شافتني واقفة على رجلي، وبصحتي، ومش لابسة لبس المستشفى، شهقت بصوت عالي وخدتني في حضنها وهي بتنهار من البكا.
