جوزي وحببته

مر، وعمر بدأ يمشي ويضحك، وملأ شقتي الصغيرة ضحكات وحياة. كنت أعمل وأدرس وأربي طفلي بكل قوتي. لم أكن أملك كل شيء، لكنني كنت أملك كل ما يهمني كرامتي، سلامي، وطفلي الذي ينظر إليّ بعينين صافيتين مليئتين بالثقة.
وذات يوم، طرق الباب. فتحت فوجدت يوسف واقفاً، لم يكن وحيداً، بل معه والده وأخوه. لم يأتِ ليأخذ عمر، بل جاء ليقف أمامي بكل تواضع، وفي يده أوراق رسمية. قال بصوت متهدج ومكسور
جيت أعلن تنازلي عن كل حقي في الحضانة والزيارة إلى حين.. ليس لأنني لا أريد ابني، بل لأنني لا أستحقه بعد. جيت أطلب منك شيئاً واحداً فقط اسمحي لي أن أكون جزءاً من حياته.. ليس كأب يأمر ويمتلك، بل كإنسان يحاول أن يتعلم كيف يكون أباً من البداية. سأحضر في الوقت الذي تحدديه، وسأغادر حين تقولي لي ذلك. سأبقى في الخارج أشاهده من بعيد إن أردتِ. فقط لا تحرميني من فرصة أن أتعلم كيف أكون أهلاً لكم يوماً.
نظرت لعمر الذي كان يلعب في الحديقة الصغيرة أمام البيت، ثم نظرت ليوسف
أبوته مش في الزيارة ولا في الحقوق.. أبوته في أن تكون قدوة له. أن يراك إنساناً صادقاً، أميناً، محترماً. ابدأ من هناك يا يوسف، والباب مفتوح دائماً. لكن تذكر الثقة تبنى خطوة بخطوة، ولا تعطى إلا لمن يستحقها.
الجزء الخامس
مرت السنين، وتغيرت الأشياء كثيراً. لم أتزوج مرة أخرى، ليس لأنني أغلقت قلبي، بل لأنني اكتفيت بملء قلبي بطفلي وبنفسي وبأهدافي. أسست مشروعي الخاص، وأصبحت مستقلة بكل ما للكلمة من معنى.
يوسف تغير حقاً. لم يدخل حياتنا فجأة، بل وقف على الباب سنوات طويلة ينتظر بصدق وتواضع. كان يأتي ويحضر الهدايا البسيطة التي يحبها عمر، ويجلس على مقعد الحديقة لساعات يحدثني عن عمله الجديد، عن أخطائه، عن الدروس القاسېة التي تعلمها. لم أمنعه، ولم أدخله أيضاً. تركت المسافة بيننا تنضج ببطء، دون تسرع ودون ضغط.
وذات يوم، وبعد أن أصبح عمر في السابعة من عمره، سألني وهو يمسك بيدي
ماما.. ليه بابا بيحبنا من بعيد؟ ليه ما يجي يقعد معانا زي باقي الأباء؟
قبلت جبينه بكل حنان
لأن البابا كان في رحلة طويلة يا حبيبي.. رحلة يتعلم فيها كيف يكون أهلاً لنا. ولما يوصل للطريق الصحيح، هو هيعرف الطريق لباب قلبك بنفسه.
وبعد فترة وجيزة، طرق الباب. حين فتحته، وجدت يوسف واقفاً، ومعه وردة بيضاء واحدة، وابتسامة مختلفة.. ابتسامة إنسان عاد أخيراً إلى بيته الحقيقي. لم يطلب العودة للزواج، لم يطلب شيئاً سوى أن يقول لي
شكراً لأنك علمتِني أن الحب ليس
امتلاك.. الحب هو أن تستحق أن تكون محبوباً. وأنا هنا لأكون أباً جيداً لابننا.. مهما استغرق الوقت.
الجزء السادس
اليوم، عمر في العاشرة من عمره، يعرف أباه ويحبه، ويعرف أن أمه هي
من اختارت له الحياة الكريمة قبل أن يولد. نجحنا في بناء علاقة صحية بيننا.. ليس كزوجين، بل كأبوين يتفقان على مصلحة طفلهما فوق كل شيء. يوسف لم يعد يطلب العودة للعيش معاً، فقد فهم أن بعض الطرق لا تعود للوراء، لكنه أصبح جزءاً مهماً وحقيقياً من حياة ابنه.
وأنا.. أنظر إلى المرآة وأرى امرأة قوية، ناضجة، سعيدة باختياراتها. لم أنتقم، لم أتمنى لهم السوء، بل شكرت الله كل يوم لأنني كنت قوية بما يكفي لأمشي حين كان الطريق خطأ.
أخيراً، أدركت أن أعظم انتصار للمرأة ليس أن يندم من خذلها.. بل أن تنجح وتسعد وتعيش بكرامة حتى وهو يشاهدها من بعيد فيعرف أنه الخاسر الوحيد في القصة. وأن الحب الحقيقي يبدأ حين تحبين نفسك بما يكفي لترحلي عن كل ما يقلل من قيمتك.
فلا تخافي أن تمشي وحيدة في الطريق الصحيح.. فالله معك، والطريق سينتهي بكل تأكيد إلى حيث يجب أن تكوني في المكان الذي تستحقينه، بسلام واطمئنان وكرامة لا يقدر بثمن.
تمت بحمد الله

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *