ج الاخير حكايات انجي الخطيب

في صبيحة اليوم التالي، كانت قاعة الأحوال الشخصية والمستعجل رقم 4 بمحكمة الأسرة مزدحمة عن آخرها. الضوضاء تكتم الأنفاس، وأصوات المحامين ورنين الهواتف يملأ المكان، لكن بالنسبة لي كان العالم كله مشلولاً عند لحظة واحدة: لحظة دخولي القاعة وأنا ممسكة بذراع الأستاذ خالد.
في الجانب المقابل، كانت حماتي تجلس على أحد المقاعد الخشبية، ترتدي نظارتها السوداء وتحاول إظهار التماسك، وبجوارها كريم بملامحه الشاحبة وعينيه المجهدتين اللتين تحاشتا النظر في عيني تماماً. أما ريهام، فكانت تقف بثوب المحاماة الأسود، تطالع بعض الأوراق في ملفها بثقة مفرطة، وكأن النتيجة محسومة لصالحها.
حين لمحني الأستاذ خالد أتأملهم، همس لي بنبرة هادئة وثابتة:—سارة، انسي إن كريم كان جوزك في يوم من الأيام. اليوم أنتِ الخصم، وهما المتهمين.. خلي عينك في عينهم وما تتهزيش. نودي على القضية: “رقم 1402 شق مستعجل.. كريم ضد سارة!”تقدم الأستاذ خالد وريهام إلى منصة القاضي.
وقفت خلف خالد بضع خطوات، بينما جلس كريم وأمه في المقاعد الأمامية يترقبان. بدأت ريهام الحديث بنبرة صوت مسرحية عالية، تحاول التأثير على القاضي:—سيدي الرئيس، الموكل يطلب تطبيق قرار التسليم الوقتي للطفلين، حيث إن الأم تُمارس التعنت والامتناع عن تسليم الصغار لأبيهم الولي الطبيعي، بل وقامت بطرده من منزل الزوجية المملوك له بموجب عقد إقرار وتنازل رسمي موقع ومبصوم من الأم نفسها، كما أن الأم غير متزنة نفسياً وتُعرّض الأطفال للخطر الحقيقي من خلال احتجازهم!
صمت القاضي وهو يقلب الورق ببرود، ثم نظر إلى الأستاذ خالد وقال:—دفاع المدعى عليها.. اتفضل. تقدم خالد خطوة بثقة، وحط حقيبته على المنصة، ثم أخرج ملفاً أصفر اللون وقال بصوت رخيم هز جنبات القاعة:—سيدي القاضي المحترم..
ما تفضلت به الزميلة هو محض ادعاء باطل ومحاولة مريضة للالتفاف على أحكام القانون والتستر على جريمة تدليس ونصب مكتملة الأركان!ريهام قاطعت بغضب:—أنا أعترض يا سيدي الرئيس! هذا مساس بشرف المهنة واتهام غير مقبول!ضرب القاضي بمطرقته الخشبية على المكتب وقال بصرامة:—بدون مقاطعة يا أستاذة!
كمل يا أستاذ خالد. ابتسم خالد ابتسامة خفيفة وواصل كلامه:—سيدي الرئيس، نحن لا نطعن فقط في القرار الوقتي بوقف التنفيذ، بل نتقدم اليوم بثلاثة مستندات حاسمة تقلب هذه الدعوى رأساً على عقب:الأول: كشف حساب بنكي موثق يثبت أن نصف ثمن شقة الشيخ زايد تم تحويله مباشرة من الحساب الشخصي لولد الموكلة -رحمه الله- إلى حساب المطور العقاري، وهو ما يثبت الشراكة الفعلية في الملكية.

