ج الاخير حكايات انجي الخطيب

في صباح اليوم التالي داخل أروقة سراي النيابة العامة، كانت أجهزة التكييف تصدر حفيفاً خافتاً يزيد من برودة الجو ومصير المتهمين. جلستُ في قاعة الانتظار برفقة الأستاذ خالد، أستند بثبات على مقعدي الخشبي وأحتضن حقيبتي، وأنا أستشعر لأول مرة منذ سنوات طعم الحرية الحقيقية واسترداد الكرامة المسلوبة.
على الجانب الآخر من الممر، كان كريم يرتدي قميصاً مجعداً ووجهه يكسوه الذهول والتعب، يجلس مكبلاً إلى جوار أمه التي فقدت كل مظاهر الكبرياء والتعالي، وباتت تبكي بصوت مكتوم وهي توزع نظرات التوسل والتراجع نحوي.
أما ريهام، المحامية التي توهمت أنها فوق القانون، فقد حضرت مصحوبة بأحد كبار المحامين، لكنها كانت تقف على مسافة بعيدة منهما تماماً، ووجهها أبيض كالجص. عندما استدعى وكيل النيابة الأطراف للتحقيق في بلاغ التجمهر والسب والقذف والطعن في العرض، بالإضافة إلى الشق الجنائي الخاص بالتدليس والتزوير، حدث ما لم يتوقعه أحد في القاعة.
بمجرد أن بدأ وكيل النيابة بمواجهة ريهام بالتهم الموجهة إليها وإمكانية إحالتها إلى محكمة الجنايات مع وقفها الفوري عن ممارسة المهنة، انهارت ريهام تماماً. فتحت حقيبتها الجلدية وأخرجت منها ذاكرة حاسوب (فلاشة) وعدة أوراق أصلية، وقدمتها لوكيل النيابة وهي تقول بصوت يرتجف:—يا فندم، أنا مش شريكة في الجريمة دي، أنا تم استغلالي وإيهامي بمعلومات خاطئة!
أنا بقدم للنيابة دلوقتي التفريغ الصوتي الكامل والمدادثات التي جرت بيني وبين المتهمة الأولى (حماتي) والمتهم الثاني (كريم)!شهقت حماتي بصوت عالٍ:—أنتِ بتبيعنا يا ريهام؟! أنتِ اللي خططتي لكل حاجة من الأول وحسبتيها بالقانون!ردت ريهام بصراخ وهي تشير إليها:—أنتِ اللي جيتيلي المحل وورطتيني في عقد الشقة، وأنتِ اللي اقترحتِ فكرة محضر الزنا والتشهير قدام الجيران عشان تضغطوا على مدام سارة تنازل عن حقوقها وتتخلوا عن القضية!
أنا عندي تسجيلات بصوتك وأنتِ بتطلبي مني أطلع إشاعات على سمعتها وشرفها!استمع وكيل النيابة إلى المدادثات المفرغة بحضور سكرتير الجلسة، والتي كشفت النقاب عن الخطة الخبيثة بالكامل: بدءاً من استدراجي لبيت التجمع وإهانتي قدام بواقي الأكل لإجباري على الغضب والمغادرة، مروراً باستغلال بصمتي السابقة على ورق إعادة جدولة القرض لإثبات تنازل مزيف، وصولاً إلى فبركة واقعة التشهير في الشيخ زايد.

