لما الضنا يبيع بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
لما الضنا يبيع بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
مرات ابني نزلت بالمغرفة فوق راسي وهي بتشتمني وبتقولي يا عاجزة وما منكيش فايدة، وابني في الأوضة اللي جنبا علا صوت التلفزيون عشان يعمل نفسه مش سامع حاجة.. وبعد خمس دقايق، لما المطبخ اتقلب وصوت المواعين وهي بتتكسر ملى البيت ووقعت أنا على الأرض، وقف ابني ضنايا اللي ربيته وسهرت عليه على باب المطبخ.. بص لي بنظرة كلها اتهام كأني أنا اللي غلطانة، وبكل برود سألني أنتي عملتي إيه يا ماما؟
كنت واقفة في المطبخ بعمل شوية شوربة خضار من اللي قلبك يحبهم، فجأة لقيت نهى مرات ابني دخلت عليا زي القضاء المستعجل.. سحبت المغرفة من الحلة ونزلت بيها فوق راسي بكل غل وقالت بصريخ إنتي إيه يا ولية إنتي؟ مابتفهميش في الطبيخ واصل؟ ده أكل بني آدمين ده؟
في اللحظة دي، محمود ابني كان قاعد في الصالة.. وبدل ما ييجي يشوف أمه جرى لها إيه، مسك الريموت وعلا صوت التلفزيون لآخره.. كأنه مش سامع، أو كأنه مش عايز يسمع.
بعد خمس دقايق بالظبط، البيت كله اتهز بصوت تكسير يخلع القلب.. حلل وأطباق وجسمي أنا وهو بيترمي على الأرض. محمود جرى على المطبخ ووقف متسمر على الباب، وبص لي بنظرة كلها اتهام وهمس ببرود إيه اللي عملتيه في نفسك ده يا أمي؟بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بصيت له وأنا واقعة وسط كسرة نفسي قبل تكسير المواعين.. بس اللي هما ميعرفهوش، إن لسه في إيدي كارت أخير هيقلب الترابيزة على الكل.
أنا هنية.. عندي 71 سنة، إيدي شقيت وتعبت من العجين والخبز طول عمرها عشان خاطر غيري.. وقلبي كان لسه خام وفاكر إن الأهل سند.. يا خيبتي ويا عمى قلبي!
من 6 شهور، دفنت الحاج حسن جوزي.. 50 سنة جواز اتبخروا في عصر يوم من أيام أبريل، وهو بيسقي الزرع في البلكونة.. لقيته واقع على ركبه والخرطوم لسه بينقط مية على جزمته. من يومها والدنيا اسودت في عيني، والبيت الكبير بقى ينده صاحبه.. محمود ابني الوحيد صمم إني أعزل وأروح أعيش معاه هو ومراته مينفعش تقعدي لوحدك يا ست الكل.. في سنك ده الموضوع خطر. كان صوته في التليفون كله حنية.. كنت عايزة أصدقه، كنت محتاجة أصدقه. لميت عمري كله في 4 شنط وسبت البيت اللي ربيت فيه ابني، والبيت اللي رقصت فيه مع حسن.. وكنت فاكرة إني رايحة للراحة.
بيت محمود كان مودرن يبرق، وعفش كأنه طالع من مجلة.. ونهى استقبلتني بابتسامة صفراء مابتعديش من عينيها نورتي يا طنط هنية. لا قالت يا حماتي ولا يا ماما.. قالت هنية كأني واحدة غريبة من الشارع.
من أول يوم عرفت إني غلطت، بس مكنش ينفع أرجع.. قعدت في أوضة الضيوف اللي في آخر الطرقة، علقت صور حسن، ورصيت هدومي، وحاولت أكون خيال مآتة في البيت.. ماليش صوت ولا حس عشان مأزيش حد بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
يومي كان بيبدأ الساعة 6 الصبح.. أعمل القهوة والفطار.. ومحمود ينزل مستعجل وباصص في موبايله تسلم إيدك يا ماما… بيقولها وهو مش باصص لي أصلاً. وبعده تظهر نهى بروب الحرير الأخضر، تقعد تفتش في الفطار وتطلع فيه القطط الفطسانة القهوة خفيفة.. البيض ملحه زيادة.. عمرها ما قالت شكراً.. كنت بسكت وأبتسم وأحاول أرضيهم.. كنت عايزة أحس إن ليا لازمة في حياة ابني.
الأيام بقت أسابيع.. وأنا بقيت خدامة بشنطة.. أمسح وأكنس وألم الفتافيت اللي وراهم. ونهى طول النهار في شغلها ومكالماتها، وأول ما تضايق تفرغ غلها فيا إيه اللي جاب الكوباية دي هنا؟ مابتفهميش؟ ومحمود يكون واقف.. بس باصص الناحية التانية، كأني مش أمه اللي شالته 9 شهور.
لحد ما جه اليوم المشئوم.. كنت بعمل شوربة الخضار اللي محمود كان بيحبها وهو صغير.. ونهى دخلت المطبخ زي الإعصار بتعملي إيه؟ بعمل شوربة لمحمود يا بنتي.. دي أكلته المفضلة. بصت للحلة بقرف وقالت ده أكل كلاب.. إنتي عايزة تسممينا؟ وقبل ما أنطق، سحبت المغرفة وضربتني بيها على راسي بكل قوتها.
الدنيا لفت بيا.. السائل السخن نزل على شعري، ووجع راسي كان بيفور.. إنتي ولية عاجزة!.. صوتها كان بيرن في البيت كله. اتسندت على البوتاجاز وأنا دايخة.. وسمعت صوت التلفزيون بيعلى في الصالة.. محمود سمع كل حاجة، واختار إنه يعلي الصوت عشان يغطي على وجعي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
في اللحظة دي، في حاجة جوايا انطفت.. الوجع الجسدي مكنش حاجة جنب خيانة السكوت. ابني اللي ربيته بدموع عيني، اختار يسمع برنامج تافه على إنه يسمع صرخة أمه.
إنتي مقرفة.. قالتها نهى وهي مربعة إيديها مش عارفة محمود كان دماغه فين لما جابك هنا.. إنتي حمل تقيل ومالكيش لازمة وواكلة مكان على الفاضي.
كل كلمة كانت قلم على وشي.. نهى سابت المطبخ وخرجت، وأنا وقفت لوحدي وسط البخار والسكوت. خمس دقايق.. كانت كفيلة إني آخد قراري. بصيت للحلل والأطباق اللي بقالي شهور بغسلها عشان أرضيهم.. وفجأة، انفجرت.
مكنتش مرتبة لحاجة.. ده كان غريزة بقاء. مسكت حلة الشوربة الكبيرة ودلقتها في الحوض بصوت مرعب.. وبعدها بقيت أمسك الأطباق والكوبايات وأرميها في الأرض وفي الوش.. تكسير.. تكسير..
—
كان صوت مريح وضروري عشان أحس إني لسه عايشة.
محمود جرى عليا في إيه؟ إيه اللي حصل؟ وقف قدام المطبخ ووشه اصفر من المنظر.. المواعين متدشدشة والشوربة في كل حتة، ودم نازل من راسي مكان المغرفة. بص لي وهمس إيه اللي عملتيه ده يا ماما؟بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
ميقربش مني.. مالمسنيش.. بص لي كأني أنا المجرمة. نهى وقفت وراه وصرخت الولية دي اتجننت يا محمود.. لازم تتحجز في مصحة.. دي دمرت لي المطبخ!
بصيت لمحمود، كنت مستنية كلمة حق.. كلمة يدافع بيها عني.. ليه يا ماما؟ ليه بتعملي المشاكل دي؟ رديت بصوت مكسور ليه؟ عشان مراتك ضربتني بالمغرفة السخنة يا محمود.. ضربتني وإنت علّيت صوت التلفزيون!
بربش بعينه بكدب وقال مسمعتش يا ماما.. مكنتش أعرف.. قلت له بكلمة واحدة كداب. إنتي اللي اخترتِ تسكت.. وإنتي يا نهى، مش هقعد تحت سقف واحد مع ولية زيك..
محمود بص للأرض وقال الجملة اللي ق*تلتني أنا آسف يا ماما.. بس أعتقد إن الأحسن تشوفي مكان تاني.. إنتي بقيتي بتعملي مشاكل كتير والبيت مابقاش مريح.. لازم تمشي.
إنت بتطردني يا محمود؟ عشان مراتك ضربتني بتطردني؟ مش طرد يا ماما.. بس إحنا محتاجين مساحتنا.. وبكرة الصبح هطلب لك تاكسي، تروحي فندق لحد ما تشوفي مكان دايم.
كان بيكلمني كأني موظفة مطرودة.. مكنش عنده الجرأة حتى يبص في عيني. الليلة دي منمتش.. لميت شنطي وأنا ببص لصور حسن.. وعند الفجر، التاكسي زمر.. محمود وقف على الباب ومعاه متين جنيه عشان تصرفي منهم لحد ما تظبطي حالك بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
لا حضنته ولا ودعته.. أخدت الفلوس وركبت التاكسي.. السواق سألني على فين يا حاجة؟ أي فندق رخيص يا ابني.
وداني لوكاندة في أطراف البلد.. أوضة ريحتها كمكمة، والسرير بيزيق.. والفلوس اللي معايا يادوب تكفي يومين تلاتة. قعدت على السرير وعيطت.. عياط من اللي بيطلع من الضلوع.. عيطت على حسن، وعلى محمود اللي تاه مني، وعلى نفسي اللي مابقتش عارفاها.
بصيت في المراية.. شفت ست عندها 71 سنة، وشها كله تجاعيد وعينها ورمة، وعلامة المغرفة زرقاء في راسي. الأيام مابقتش بتفرق.. كنت باكل بسكوت وأشرب قهوة سريعة.. ولما الفلوس خلصت، بعت رسالة لمحمود يا محمود، أنا محتاجة أتكلم معاك.. .. مردش. محمود، الفلوس خلصت.. .. سكت خالص.
في الآخر، بطلت أحاول.. الرسايل كانت بتتقري وما بيجيش رد، كأني بصرخ في بئر ملوش قرار. وبعد أسبوع، القرشين اللي حيلتي خلصوا. موظف اللوكاندة خبط على بابي وقالي بجمود يا ست يا طيبة، يا تدفعي يا تخلي الأوضة.. دي قوانين.
لميت شنطي الأربعة.. الشنط اللي بقت تقيلة زي الج*ثث. جريتهم في الشارع تحت شمس تحرق، ومش عارفة أروح فين. مشيت ساعات لحد ما رجلي ورمت وإيدي اتملت فاقفيع من كتر الشيل.. بس فضلت ماشية، عشان لو وقفت معناه إني اعترفت إن ماليش حتة تلمني.
انتهى بيا الحال في جنينة عامة وسط البلد.. نمت على الرصيف، أكلت من بواقي المطاعم، بقيت خيال مآتة الناس بتداري وشها عنه عشان الفقر عدوى. وفي وسط الذل ده، وأنا بنبش في شنطي، لقيت ظرف قديم، أصفر، عليه اسمي بخط حسن جوزي الله يرحمه.. خطه اللي ميتوهش عن عيني أبداً.
فتحت الظرف وإيدي بترتعش.. كان فيه جواب وورق كتير مطوي. حبيبتي هنية.. لو قريتي الجواب ده، يبقى أنا سبتك.. سامحيني إني خبيت عليكي، بس كنت عايز أحميكي من وجع الدماغ.. أنا طول ال 30 سنة اللي فاتوا كنت بستثمر في العقارات، بشتري محلات وشقق في حتت مكنش حد بيبص لها، ودلوقتي سعرها بقى في السما.. عملت كل ده عشان أمن مستقبلك.
نفسي اتكتم وأنا بفتح الأوراق.. عقود ملكية، شهادات استثمار.. عيني مش مصدقة اللي شايفاه! 13 عقار.. 13 عمارة ومحل باسمي أنا! عمارات كاملة، وشقق، ومحلات.. وفي وسط العناوين، عيني وقعت على عنوان حفظته بالوجع 452 شارع المغفرة. دي العمارة اللي محمود ونهى ساكنين فيها.. العمارة اللي طردوني منها، وضربوني فيها، ورموني زي الزبالة.. طلعت ملكي أنا! طول الوقت ده وهي ملكي!
قعدت أضحك زي المجنونة والدموع غسلت وشي المترب.. الناس كانت بتبعد عني فاكرين الولية الكركوبة اتجننت.. بس أنا مكنتش مجنونة، أنا كنت لسه مولودة.
كلمت المحامي أستاذ رأفت.. صوته اتغير أول ما عرف إني هنية يا مدام هنية! إحنا بندور عليكي من شهور! ابلك محمود قال لنا إنك عزلتي ومرضيش يدينا رقمك! رحت له المكتب بشنطي المبهدلة وهدومي الوسخة.. قعدني وقدم لي مية في كاس كريستال وقالي مدام هنية، إنتي ثروتك تعدي ال 10 مليون جنيه.. ده غير السيولة اللي في البنك.. وإنتي صاحبة العمارة اللي ابنك ساكن فيها، وتعرفي إنه ساكن ب إيجار رمزي أبوه كان عاملهوله؟ بيدفع 400 جنيه في شقة تمنها 4000جنيه في الشهر!
400 جنيه! محمود عايش في عز بفضل أبوه، وطرد أمه للشارع! أستاذ رأفت.. أنا عايزة أعدل العقد.. خليهم يدفعوا تمن السوق.. ال 4000جنيه كاملين! المحامي ابتسم وقال حقك يا فندم.. هبعت لهم إنذار رسمي فوراً.بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
أخدت كارت البنك ورحت أغلى فندق في البلد.. دخلت الجناح الملكي، مليت البانيو بمية سخنة وغسلت وجع الشارع من جسمي.. طلبت أغلى أكل، قعدت أكل
—
بكرامة.. ب سلطة.. ب قوة.
تاني يوم، المحامي لف بيا على أملاكي.. عمارة ورا عمارة.. محل ورا محل.. لحد ما وصلنا لعمارة محمود. المحامي قالي الإنذار وصلهم يا فندم، ومحمود قالب الدنيا وعايز يعرف مين المالك الجديد اللي رفع الإيجار فجأة كدة ومستنينا في مكتب إدارة العمارة.
دخلت المكتب.. كنت لابسة طقم شيك جداً، نظارة سوداء غالية، ورافعة راسي للسما. محمود كان قاعد مع نهى، بيزعقوا للمدير ده استهبال! إزاي الإيجار يترفع كدة؟ إحنا ساكنين هنا بقرار من والدي! فين المالك ده؟ أنا عايز أشوفه!
وقفت قدامهم.. خلعت النظارة ببطء.. الصدمة اللي شفتها في عيون محمود كانت تمنها عندي أغلى من ال 10 مليون جنيه. نهى وشها بقى لون الفستان الأحمر اللي كانت لابساه يوم ما ضربتني.. ومحمود قام وقف ورجله بتخبط في بعضها م.. ماما؟
بصيت له ببرود وقلت أهلاً يا محمود.. أهلاً يا نهى.. المالك الجديد وصل.. وأعتقد إن ال 4000جنيه إيجار الشهر ده استحقوا.. ولا تحبوا تخلوا الأوضة بكرة الصبح وتدوروا على فندق؟
يا أهلاً بيكي يا فنانة.. الحكاية كده وصلت لمحطة تكسير العظام، والمواجهة اللي الجمهور كله مستنيها. هنية مابقتش الست اللي بتنظف وتمسح، دي بقت الهانم اللي بتحرك الخيوط من ورا الستارة.
المحامي رأفت بص لي في مكتبه وقالي وهو مبهور يا مدام هنية، صافي الدخل من أملاكك بيوصل ل 45 ألف جنيه في الشهر.. يعني أنتي معاكي ثروة بتزيد عن 400 ألف جنيه كل سنة!
وأنا اللي كنت بشحت طبق شوربة في الكنيسة.. يا سخرية القدر! بس في اللحظة دي، مكنش في قلبي غير خطة واحدة.. خطة باردة، محسوبة، وصابرة لأقصى حد. قلت لرأفت عايزة تغييرات جذريّة، بس من غير ما حد يعرف إني أنا اللي وراها.. عمارة شارع المغفرة تترفع إيجاراتها لسعر السوق فوراً، وأي حد كان واخد حبّة دلع من المرحوم جوزي، الدلع ده يخلص.. العمارة دي بيزنس، مش جمعية خيرية!
وفي خلال أسبوعين، هنية اتغيرت تماماً.. رحت لأكبر بيوتي سنتر، صبغت شعري بلون كستنائي شيك خفى كل الشيب، اشتريت طقم تايور رمادي حرير، ونظارة مودرن.. مابقتش الست الكركوبة اللي كانت بتطبخ في مطبخ محمود.. بقيت هانية هانم، صاحبة شركة هيريتدج هولدنغز.
الإنذارات وصلت للسكان.. ومحمود ابني كلم المحامي 7 مرات وهو هيتجنن إزاي الإيجار يترفع كدة؟ أنا كان عندي عقد خاص مع المالك القديم! رأفت رد عليه ببرود العقد الخاص مات مع صاحبه.. يا تدفع يا تخلي الشقة.
محمود مكنش معاه يدفع.. نهى مراته كانت بتصرف يمين وشمال على المظاهر الكدابة، لبس ومطاعم وديون في الفيزا.. محمود استلف من شركة قروض بفوائد عالية عشان يسدد شهر، بس الشهر اللي بعده غرق أكتر. وقلت لرأفت ابدأ إجراءات الطرد فوراً.. مفيش استثناءات.
جه يوم الجلسة.. لبست أشيك ما عندي، وحطيت لمسة مكياج دارت تجاعيد الوجع، ورحت المحكمة. قعدت في آخر بنج، ولبست النظارة السوداء عشان محدش يعرفني.. كنت مُراقب في مسرحية أنا اللي كاتبة سيناريو نهايتها.
محمود دخل القاعة.. كان شكله يصعب على الكافر؛ خاسس، وشه شاحب، وشعره منكوش. ووراه نهى لابسة فستان أخضر زمردي غالي جداً ومكياج كامل، كأنها رايحة حفلة مش محكمة طرد! كانت بتهتف في ودنه بغل وهو يهز راسه باستسلام.
القاضية دخلت وبدأت الجلسة ق*ضية رقم 3478.. ضد محمود حسن. محامي محمود وقف يحاول يشحت عطف القاضية يا سيادة القاضية، موكلي ساكن في الشقة دي من 5 سنين، وكان ملتزم، والزيادة دي تعجيزية..
رأفت وقف بكل ثقة سيادة القاضية، المالك الجديد من حقه يرفع الإيجار لسعر السوق.. وموكل محمود متأخر في السداد بقاله شهرين.. القانون واضح، وموكلتي مابتديش مهلة لأي حد مبيحترمش العقود.
بصيت لمحمود من بعيد.. كان باصص في الأرض، إيده بترتعش.. نهى كانت بتبص للمحامي بتاعنا بحقد، وهي متعرفش إن موكلته قاعدة وراها ب 3 متر بس!
في اللحظة دي، افتكرت لما كنت واقعة على أرض مطبخه والدم نازل من راسي.. وافتكرت صوت التلفزيون وهو بيعلى عشان يغطي على صرختي.. وافتكرت ال 200 جنيه اللي رماهم لي وهو بيطردني للشارع.
القاضية بصت في الورق وقالت كلمتها الأخيرة بناءً على المستندات.. يُحكم بطرد المدعى عليه من العين، مع إلزامه بدفع المتأخرات، ويُعطى مهلة 10 أيام للإخلاء الجبري.
الكلمة نزلت على محمود زي الصاعقة.. نهى بدأت تصرخ في المحامي بتاعهم وسط القاعة، ومحمود حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط.. عياط قهر.
قمت من مكاني ببطء.. مشيت من جنبهم والريحة بتاعتي البرفيوم الغالي ملقت المكان.. محمود رفع راسه للحظة، شق في ملامحي، بس مكنش قادر يصدق إن الست الشيك القوية دي هي أمه الشغالة اللي رماها.
خرجت من المحكمة، ركبت عربيتي المرسيدس السوداء، وفتحت الموبايل.. لقيت رسالة من محمود بعتها من ساعة يا ماما.. أرجوكي ردي عليا.. أنا هترمي في الشارع أنا ونهى.. لو معاكي أي قرش ساعديني، أنا ابنك حبيبتك.
مسحت الرسالة.. وعملت له بلوك.. وبصيت للسواق وقلت له على الشركة يا ابني.. ورانا شغل كتير بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
يا فنانة.. دي مش مجرد نهاية، دي تربية حقيقية وقلم بيعلم في الذاكرة. هنية هنا مابقتش الأم الضحية، بقت الأم القوية اللي علمت ابنها إن الغلط له تمن، وإن الكرامة
مابتتشريش بالفلوس.
قعدت في مكتب رأفت، لابس طقم شيك ونظارتي الجديدة، وكنت هانية هانم بكل هيبتها. الباب اتفتح ودخل محمود لوحده.. أول ما شافني، وشه جاب ألوان؛ صدمة على ذهول على عدم تصديق. ماما؟!.. همس بيها كأنه شايف عفريت. قلت له ببرود يجمّد المية اقعد يا محمود.
بدأ يرمي كلام خايب أنا دورت عليكي.. أنا بعت رسايل.. قطعت كلامه زي الس*كينة كداب.. أنا راجعت موبايلي، مفيش رنة واحدة.. إنت بعد ما رميتني ب 200 جنيه، نسيت إن ليك أم أصلاً.
بدأ يعيط ويقول إن نهى هي اللي قالت وهو كان مضغوط.. بصيت له بقرف وقلت نهى؟ ومن إمتى يا محمود ومراتك هي اللي بتمشي علاقتك بأمك؟ إنت استسهلت تضحي بيا عشان تشتري دماغك منها. لما عرف إن العمارة ملكي، وإن ال 13 عمارة والملايين دي كلها بتاعتي، انهار.. قعد على الكرسي وجسمه كله بيترعش يعني إحنا كنا بندفع إيجار ليكي؟ وليه ملقولتيش؟ عشان أعرف معدنك يا محمود.. عشان أشوف لو كنت غلبانة وماليش غيرك هتعمل فيا إيه.. وأدينا شفنا!
محمود حكى لي إن نهى سابته أول ما عرفت إنه هيطرد، وإن ديونه وصلت للسما، وإنه خسر شغله.. قالي بكسرة أنا بقيت في الشارع يا ماما.. زي ما عملت فيكي بالظبط.. ده الكارما مش كدة؟ قلت له أيوه يا محمود.. ده عدل ربنا.
محمود ساب الشقة وسلم المفاتيح ومشي ب 3 شنط بس.. مكنتش أعرف راح فين، وقلبي كان بياكلني، بس مسكت نفسي.. لازم يتعلم يقف على رجله كراجل، مش ك خيال مآتة لمراته.
أنا بقى.. سبت الفندق، واشتريت بيت صغير هادي، فيه جنينة ورد وشجر ليمون. رصيت صور حسن جوزي، وبدأت أتعلم رسم.. تخيلي؟ هنية اللي كانت بتقضي يومها في المواعين، بقت بتمسك الفرشة وترسم لوحات تعبر عن اللي جواها. بدأت أتطوع في الملجأ اللي كنت هنام فيه ليلة طردي.. بقيت أغرف شوربة للناس الغلابة، بس المرة دي وأنا صاحبة فضل، وأنا حاسة بيهم وبوجعهم.
عدى 3 شهور.. وفي يوم سبت وأنا بسقي الورد، الموبايل رن.. رقم غريب. ألو؟ ماما.. ده أنا محمود. صوته كان متغير.. صلب شوية. حكى لي إنه لقى شغل في مخزن، ورديات ليل، وإنه مأجر أوضة وصالة على قد حاله وبيسدد ديونه قرش بقرش.. وقالي أنا مش عايز منك فلوس يا ماما.. أنا بس عايزك تعرفي إني بحاول.. بحاول أكون الراجل اللي بابا كان هيفتخر بيه بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
دمعة نزلت من عيني، بس صوتي فضل قوي ده شيئ كويس يا محمود.. كويس جداً. ممكن في يوم.. نشرب قهوة سوا؟ مش دلوقتي.. لما تكوني مستعدة. قلت له ممكن يا محمود.. لما نكون إحنا الاتنين مستعدين.
قفلت السكة وقعدت في جنينتي.. مكنتش سامحت محمود بنسبة 100، ويمكن مأسامحوش أبداً على صوت التلفزيون العالي.. بس أنا لقيت نفسي. فتحت كراستي وكتبت اتعلمت أسامح نفسي إني استنيت كتير عشان أدافع عنها.. اتعلمت إن حب النفس مش أنانية، ده نجاة.. أنا هنية، عندي 71 سنة، وبقيت حرة لأول مرة في عمري.
تمت
