امي ومراتي ج 1 حكايات صافي هاني

ج1

أمي بصت لمراتي اللي حامل في الشهر السادس وقالتلها ببرود لو هتفضلي تقرفينا بموعان نفسك ده، قومي كلي في الحمام.
كنت أنا اللي دافع تمن العشا، وأنا اللي بدفع كل مليم في فواتيرهم، وفي الليلة دي قررت أرد على الإهانة بس بطريقة تانية خالص.
لو حملك ده هيخليكي تقرفينا وسط الأكل، يبقى تروحي تاكلي في الحمام عشان متبوظيش الليلة على عيلة أختك.
أمي قالت الجملة دي وصوتها عالي ومسموع، وبنفس الهدوء اللي الستات بتطلب بيه ملاحة أو رغيف عيش زيادة. قالتها قدام الجرسون، وقدام حما أختي وحماتها، وقدام أختي، وقدام مراتي اللي في الشهر السادس.. وقدامي أنا!
أنا مصوتش.

مكسرتش الكاس في وش حد.
حتى ميكشرتوش.
كل اللي عملته إني بصيت ل مي، كانت عينيها مليانة دموع، وحاطة إيدها على بطنها كأنها بتحاول تحمي ابننا من السم اللي لسه سامعاه.

كل ده حصل في مطعم شيك، في ليلة من ليالي أكتوبر، واحنا بنحتفل بعيد جواز أختي ساندي وجوزها شريف. أمي بهيرة صممت إن الاحتفال لازم يبقى يليق بالمناسبة.. وطبعاً في قاموس عيلتنا، الجملة دي معناها حاجة واحدة أنا اللي هشيل الشيلة وأدفع الحساب.
أنا عندي 34 سنة، شغال في البورصة والاستثمار من أكتر من عشر سنين. ربنا فتحها عليا وبقيت ميسور الحال جداً، وده

إنجاز لواحد دفن أبوه وهو عنده 16 سنة واضطر يبقى راجل قبل أوانه. أبويا ساب لنا ديون ومصاريف علاج وبيت كان هيتحجز عليه، وعيلة كانت بتغرق.

أمي اشتغلت ورديات إضافية في مطعم صغير لسنين، وأختي اللي أصغر مني بأربع سنين مشافتوش اللي أنا شفته، لأني كنت وقتها بقيت أنا اللي بصرف على الدروس والبيت والأكل وبسد أي خرم يظهر.
ولما الفلوس بدأت تجري في إيدي، عملت اللي أي راجل بيعمله.. شيلتهم فوق راسي.

سددت ديون بيت أمي وكتبته باسمي عشان الإجراءات الضريبية، وكنت ببعتلها كل شهر مبلغ يخليها لا تشيل هم إيجار ولا دوا ولا أكل. دفعت تأمين عربيتها، وتأمينها الصحي، وحتى كروت الائتمان اللي كانت بتقول إنها بتستخدمها للطوارئ بس. ولما ساندي اتجوزت، أنا اللي شيلت الفرح كله على كتافي،

وبعدها سكنتهم في شقة من أملاكي بملاليم، واشتريت لهم عربية، وفتحت لهم دفتر توفير عشان يجهزوا لبيتهم اللي جاي.
أنا مش بقول كده عشان أتباها، أنا بقول كده عشان في الليلة دي عرفت إنهم اتعودوا يخلطوا بين حبي وبين إنه واجب عليا.
مي مراتي، مدرسة حضانة، عندها 29 سنة.

مرتبها بسيط، بس عندها حنية وطيبة لسه بتبهرني لحد النهاردة. ومن أول يوم شافوها فيه، أمي وساندي وصلولها رسالة واضحة إنها مش من مستوانا.

مقالوهاش في وشها، بس كانوا بيرموها في وسط الكلام عن عيلتها البسيطة، وشغلها اللي حلو بس ملوش مستقبل، ولبسها المقفول زيادة، وطيبتها اللي بيعتبروها هبل.
ومي عشان متعملش مشاكل بيني وبينهم، كانت دايماً بتقولي معلش يا حبيبي نصبر شوية.
بس الحمل خلى الموضوع يبقى أسوأ.

أمي بدأت تفتي إن الست الشاطرة لازم تسيب شغلها عشان بيتها، وساندي بدأت تتفلسف على أكلها، وجسمها، وأوضة البيبي، وحتى تقعد إزاي وتمشي إزاي وتتنفس إزاي! كل ده بابتسامة صفرا،

من النوع اللي يشتمك وهو بيضحك.
في اليوم ده، مي قضت طول النهار بتعمل تورتة الليمون اللي ساندي بتحبها، عشان هي عارفة إن مفيش حد بيعملها زيها. وحتى اشترت فستان كحلي جديد عشان تبقى شيك في مناسبة عيلتنا المهمة.

في أول العشا، الدنيا كانت ماشية. حما أختي وحماتها كانوا ناس ذوق جداً. ومي كانت قاعدة بتدردش مع والدة شريف عن الولادة والشغل. لحد ما المشروبات نزلت.

مي طلبت مياة فوارة بليمون.
أمي ضحكت بخرع وقالت يا عيني، مابقتيش عارفة تشربي حاجة عدلة زي الناس.
مي ابتسمت وقالتلها إنها راضية ومبسوطة كده.

بس ساندي دخلت في النص وقالت إنها قرأت إن الصودا غلط على العيل. مي ردت بهدوء إن الدكتور قال عادي، بس ساندي كملت وقالت إن الأم لازم

تضحي، وإنها لازم تبطل دلع. ومي، عشان متكبرش الموضوع،

سكتت وطلبت مياة عادية.
أنا شفت كل ده، وسكت.. وكنت بحوش جوايا.
في نص العشا، وش مي اصفر وتعبت، فاستأذنت وطلبت تروح الحمام. حملها كان تعبها جداً وبيرجع لها لوعة النفس في أي وقت. مكنش منظر شيك ولا حاجة، كان تعب طبيعي جداً. رجعت بعد كام دقيقة وهي لسه تعبانة، وقالت براحة إنها هتستنى شوية قبل ما تكمل أكل.

وهنا أمي بصتلها بكل قسوة ورمت الجملة اللي كسرت فيا كل حاجة
لو هتفضلي تقرفينا كده، قومي كلي في الحمام.. الليلة دي مش ليلتك.
المطعم كله سكت.
جوز أختي بص في الأرض، وأهله اتصدموا. وساندي، بدل ما تلم الموضوع، هزت راسها وقالت

ماما عندها حق يا مي، شكلك وانتي قرفانة كده بيضايقنا كلنا، لو مش قادرة تمسكي نفسك كان أحسن تقعدي في البيت.
مي وشها بقى يجيب ألوان، وشفايفها بدأت تترعش، وعملت أكتر حاجة وجعت قلبي في الليلة دي.. بدأت تعتذر!

بتعتذر إن نفسها غمت عليها..
بتعتذر إنها بوظت العشا..
بتعتذر إنها حامل في ابني على ترابيزة كان المفروض هي تبقى الملكة فيها مش المهانة.
هنا أنا وقفت، وابتسمت، ومسكت إيد مي، وأخدت التورتة اللي هي عاملاها بحب، وقلت بمنتهى الهدوء
تصبحوا على خير.. أتمنى يكون العشا ده على مقاسكم بالظبط.

خرجنا من غير شوشرة ولا فضايح.
بس

وأنا سايق العربية ومروحين، كنت عارف إن في حاجة انكسرت للأبد.. وإنهم لسه معندهمش فكرة إيه اللي هيحصلهم بكرة.
مين عايز يكمل القصه المشوقة دى يعمل لايك ويكتب تمأنا مكنتش ناوي أزعق
ولا حتى أعاتب.
في لحظات معينة، الرد الحقيقي بيكون أبرد من أي صوت عالي وأوجع.
وصلت البيت، ومي ساكتة خالص.

ولا كلمة بس دموعها كانت بتنزل في هدوء يخوف.
دخلت أوضتنا، قفلت الباب، وقعدت على طرف السرير وهي ماسكة بطنها.
قلت لها بهدوء
إحنا مش هنرجع هناك تاني.

بصتلي، كأنها مش مصدقة وقالت بصوت مكسور
دي أمك يا حبيبي
رديت وأنا ببص في عينيها
وأنتِ مراتي ودي كرامتك ودي أهم.

ساعتها حضنتني لأول مرة من ساعة اللي حصل بس الحضن ده كان تقيل مليان وجع سنين مش ليلة واحدة.
تاني يوم الصبح
أنا مصحيت بدري جداً.

لبست، وفتحت اللابتوب وبدأت أعمل شوية تحويلات.
مش فلوس لا.
قرارات..

الشقة اللي ساكنين فيها ساندي وشريف عقد الإيجار اتلغى.
العربية اللي باسم شركتي اتسحبت.
الكارت الائتماني اللي أمي كانت بتستخدمه للطوارئ اتوقف.
التحويل الشهري اتلغى.
كل حاجة كانت ماشية ب حبي رجعتها تبقى اختياري.
الساعة 11 تقريباً موبايلي بدأ يرن.
ماما
سيبت الرنة تعدي.
رن تاني وتالت ورابع.
وبعدين رسالة
إيه اللي أنت عملته ده؟!
مردتش.
بعدها ساندي اتصلت، وصوتها مليان عصبية
إنت اتجننت؟! إحنا هنتفضح! الإيجار هيتأخر والعربية اتسحبت!
رديت بهدوء غريب

حتى عليا
خلي اللي يهمك شكلك قدام الناس يساعدك.
سكتت ثواني وبعدين قالت بحدة
إنت بتعاقبنا عشان كلمة؟!
ضحكت ضحكة قصيرة وقلت
لا أنا بفكركم إن اللي بتكسروا فيه مش رخيص.
بالليل
أمي جت لحد البيت.
خبطت بعنف
فتحت لها.
كانت أول مرة أشوفها بالشكل ده
مش متعالية مش قوية
مضطربة.
قالت وهي بتحاول تمسك نفسها
إنت بتعمل كده ليه؟ دي أختك ودي أمك!
بصيت لها شوية وافتكرت كل حاجة
سنين التعب الشقا الليالي اللي كنت بنام فيها من غير أكل عشان هما ياكلوا.
وقلت بهدوء
وأنا مين؟
سكتت.
كملت
أنا مش بنك ومش خدام
أنا ابنك
والست اللي إنتي طلبتي منها تاكل في الحمام دي مراتي وأم حفيدك.
وشها اتغير لأول مرة تحس إنها غلطت فعلاً.
بس أنا كنت خلاص وصلت للنقطة اللي مفيهاش رجوع.
قربت من الباب وفتحته وقلت
لما تتعلموا تحترموا إبقوا ارجعوا.
غير كده كل واحد يشيل نفسه زي ما أنا شلتكم زمان.
قفلت الباب بهدوء.
رجعت لمي
كانت واقفة في البلكونة، حاطة إيدها على بطنها، وبتبص للشارع.
وقفت جنبها وحطيت إيدي فوق إيدها.
وقلت بهمس
ابننا عمره ما هيشوف اللي إنتي شوفتيه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة بس حقيقية لأول مرة من امبارح.
بس الحقيقة؟
اللي حصل ده
ماكانش نهاية.
ده كان بداية حرب هادية…تابع للجزء الثاني والاخير

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *