ج1 صفقة زواج(الفصل الأول إلى الحادي عشر)
بقلم سهام صادق

الفصـــــــــــــــــــــــــــل التاسع
عندما خرجت من المطعم وجدت أحدهم ينتظرها ويقترب منها.
شادي بابتسامة مستفزة: قلت أستناكي وأعزمك على العشاء.. آه نتصالح بدل ما أنا حاطك في دماغي..
فرح وهي تبتعد عنه لتذهب: عن إذنك يا أستاذ شادي.
شادي بحدة وهو يمسك ذراعها بقوة: أنتِ إيه يا بت أنتِ كل ما أكلمك تمشي وتسبيني، أنا شادي التهامي بنت زيك تسبيني؟ الظاهر إني نزلت من مستوايا لما حبيت أعبر واحدة زيك.
فرح وبدأت دموعها تتساقط، فبعض الأحيان نشعر بأن قدرتنا على التحمل أصبحت هشة فتسقط دموعنا دون أن نشعر.. فما بها كان يكفي: سيب ذراعي حرام عليك أنت بتعاملني كده ليه، هو أنا عملتلك إيه لكل ده؟ إهانة وشخط وتجريح ليه كل ده؟ عشان رفضت أكون زي أي بنت عرفتها ولا عشان حسيت إن رجولتك أهينت لما ضربتك بالقلم.. بس للأسف هي أصلاً متهانة من بدري يا أستاذ شادي.
كان شادي ينظر لها بصمت، فلأول مرة يشعر بالضعف أمام دموع امرأة، فهو يكره النساء بشدة بسبب خيانة أمه لوالده… ولكن عندما تذكر مشهد الخيانة الذي أصبح مطبوعاً في ذاكرته أفاق من ضعفه ذاك ونظر لها بابتسامة مستفزة وهو يمد يده ليلمس وجهها: بكره تقعي يا حلوة…..
أشاحت فرح وجهها عنه سريعاً…
شادي: سلام يا قطة..
تركها شادي وانصرف بسيارته…
فرح بتنهد شديد: يا رب ساعدني أنا ماليش غيرك. في هذه اللحظة تذكرت كريم فسقطت دمعة من عينيها ولكن مسحتها سريعاً… وانصرفت ………………………………………….. …………………
كان كريم يجلس في مكتبه يتابع عمله ولكن بشرود تام، فهو لم يتخيل أن يفعل بها ذلك… نظر إلى ساعته وجدها الساعة العاشرة والنصف.. أرجع ظهره للوراء وبدأ يفكر بها وهو يشعر بالاختناق لما فعله بها… قطع شروده ذاك صوت هاتفه.
بتقول إيه يا عمر…
عمر بضيق شديد: مشروع العين السخنة فيه شوية مشاكل ومحتاجينك فيه.
كريم بغضب: مشاكل إزاي يعني؟
بدأ عمر يحكي له ما اكتشفه عندما وصل.
كريم بغضب: ده استهتار وأنا هدفعهم ثمن الاستهتار ده، بكره الصبح هكون عندك إن شاء الله..
أقفل كريم مع عمر بضيق شديد… ثم غادر مكتبه وذهب.
………………………………………….. …………..
كانت جالسة تذاكر بتركيز شديد حتى تستطيع أن تكمل ما تبقى لها من مذاكرة..
ولكن قطع ذلك التركيز دخول كريم عليها..
انتفضت فرح مفزوعة ونظرت له بخوف شديد جعله يشعر بمدى حقارة فعلته.
كريم ليطمئنها: ماتخافيش أنا خارج حالاً…
ثم نظر للكتب التي حولها: عندك امتحان بكره؟
هزت له فرح رأسها دون أن تتكلم..
كريم: خلي السواق يوديكي ويجيبك.
فرح: لأ متشكرة مش عايزة حاجة منك يا كريم بيه.
كريم بحدة: اسمعي الكلام مرة وبطلي عند معايا يا فرح.
فرح بحدة: هو أنت هتطلقني إمتى؟
كريم: زي ما اتفقنا قبل ما نتجوز.
فرح بغضب: بس إحنا غيرنا الاتفاق، وقلت هتطلقني بعد شهر….
كريم: أنا قلت هفكر، ودلوقتي إحنا على اتفاقنا الأولاني.
فرح بغضب: وبما إننا على اتفاقنا ليه يا أستاذ يا محترم خلفت وعدك معايا؟ ولا أنت بتوفي بالوعود اللي على مزاجك وبتخلف الوعود اللي مش على مزاجك؟
كريم وهو يهم بالخروج: أنا حر… وكمان أنا قلتلك هعوضك وهديكي الفلوس اللي عايزاها.. وقبل أن ينتظر ردها تركها وأغلق الباب خلفه وذهب.
بدأت دموعها تتساقط.. فقد أوجعتها تلك الجمل، هي تعلم أن جوازهم مبني على اتفاق وعرض ولكن…..
فرح بحزن: أعوضك.. مش كل حاجة بنقدر نعوضها بالفلوس يا كريم…. بيه.
………………………………………….. ………………..
في الصباح..
كانت فرح ما زالت مستيقظة، قامت لتصلي صلاة الصبح… ثم ذهبت لأمينة لتطمئن عليها قبل أن تذهب إلى امتحانها.
أمينة بحنان: شكلك منمتيش يا حبيبتي.
فرح: أعمل إيه كان عندي مذاكرة كتير اضطررت أفضل صاحية عشان أخلصها.
أمينة: ربنا معاكي يا حبيبتي، يلا بقى تعالي افطري معايا وبعدين السواق يوصلك الجامعة.
ابتسمت فرح لها بحب وجلست تفطر معها، فأمينة تغمرها بالحنان الشديد والحب، تشعر وكأنها أمها، فهذا المنزل بالرغم من وجودها به أصبح يوجعها ولكن فيه قد كسبت قلباً حنوناً والوجع الأكبر سيكون عندما تتركه، عندما تترك ذلك القلب الحنون الذي غمرها بالحنان الذي افتقدته… ، ولكن لابد أن ترحل فالوجع قد اعتادت عليه وأصبح شيئاً من حياتها.. ولن توافق على أن تستمر تلك الصفقة أكثر من ذلك.
………………………………………….. ………………….
وجدت السائق ينتظرها بالأسفل.
السائق بابتسامة: كريم بيه قالي أوصلك وأجيبك يا هانم.
فرح بابتسامة: متشكرة.. يا عم.
السائق: سعيد يا بنتي.
بعد أن أوصلها السائق إلى الجامعة ونهض ليفتح لها الباب.
فرح: متشكرة يا عم سعيد.. خليك أنت أنا هعرف أفتح الباب لوحدي.
سعيد: لأ يا هانم ميصحش.
فرح: هزعل منك على فكرة لو قلت هانم تاني، مش كنت لسه بتقولي يا بنتي؟
سعيد بابتسامة: الناس مقامات يا بنتي.
فرح: لأ يا عم سعيد كلنا زي بعض ومفيش حد أحسن من التاني غير بعمله الصالح اللي هيقابل بيه ربنا.
سعيد بحب: ربنا يباركلك في عمرك يا بنتي، ثم ابتسم لها ثانية: تصدقي إنك شبه الست أمينة في تواضعها.. ربنا يشفيها.
فرح: آمين.. وقبل أن تغادر السيارة: أنا هبقى آجي لوحدي عشان مش عارفة هخلص إمتى.
سعيد: أنا هستناكي هنا، دي أوامر كريم بيه.
فرح: لأ روح أنت يا عم سعيد.. أنا هاجي لوحدي.
ثم تركته وانصرفت…
………………………………………….. ………………..
كريم بضيق للمهندسين: عايز أعرف إيه الإهمال ده يا بشمهندسين؟ أنتوا ناسيين إن افتتاح المنتجع بعد شهرين والمفروض نكون خلاص خلصنا عشان نبدأ الدعاية، غير بعض التجاوزات اللي حصلت وبلاش أتكلم فيها دلوقتي.
مدير المشروع: إحنا آسفين يا بشمهندس 10 أيام بالكتير وهنسلمك المشروع.
في هذه اللحظة دخلت فتاة ترتدي جيب قصير فوق الركبة وبلوزة ضيقة بشدة.. كان جسدها مفصلاً للغاية.
انصرف المهندسون…
عمر: هروح أتابع معاهم الشغل يا كريم… وانصرف هو أيضاً.
كريم بضيق شديد: خير يا بشمهندسة؟
شيرين بدلع: اتفضل يا بشمهندس ده التصميم اللي هيكون واجهة للافتتاح.. إيه رأيك؟
كريم بحدة: أظن يا بشمهندسة، إن أستاذ عمر هو المسؤول عن كده مش أنا.
شيرين: أنا قلت مادام حضرتك موجود أعرض التصميم عليك.
نظر لها كريم بتأفف.. اتفضلي وريني يا ستي.
نظرت له شيرين بابتسامة نصر وهي تحدث نفسها: يااا إمتى يجي اليوم اللي أكون فيه حرم كريم الشاذلي.
………………………………………….. ……………..
بعد أن أنهت فرح الامتحان….
عايزة أفهم يا أستاذة ليه تليفونك كان مقفول؟
فرح وبدون أن تشعر بدأت تبكي وكأنها وجدت من ستخرج له كل ما بداخلها من ألم.
مي بخضة: مالك يا فرح… تعالي نقعد هنا واحكيلي.
فرح بدموع وبدأت تقص لها ما حدث.
مي: يا خبر! عمل كده؟ طب والاتفاق؟ وأنا اللي ابتديت أقول عليه شخص محترم ده حتى ماما اتخدعت فيه.
فرح باندهاش: هو قابلها؟
مي: ليه هو مقالكيش إنه جالي البيت يسأل عنك؟ وبدأت تقص لها ما حدث في ذلك اليوم.
بس أنتِ غلطانة يا فرح ليه مادفعتيش عن نفسك لما اتهمك إنك كدابة وكنتي مع واحد؟ مع إنه مش من حقه يتهمك بكده بس برضه ليه سمحتيله يظلمك؟
فرح بدموع: عايزاني أقوله إيه؟ أنا بشتغل وكمان في مطعم.. عارفة هيقولي إيه؟ خدي الفلوس اللي عايزاه وما تشتغليش وطبعاً هيكون خايف على منظره قدام الناس لو حد عرف.. ثم تنهدت بشدة “مراته”، عارفة قالي إيه بعد ما لغى الاتفاق؟ قالي هعوضك بالفلوس اللي أنتِ عايزاه وهدفع ثمن الليلة ديه..
بدأت فرح تبكي بحرقة شديدة وتنظر لها مي بإشفاق..
يا مي ده شايفني إن كل حاجة همي فلوسه وبس.
مي: ما أنا نصحتك وقلتلك بلاش يا فرح، أنتِ اللي اتصرفتي من دماغك ووافقتي.
فرح ببكاء: عايزاني أعمل إيه؟ هروح فين ولمين؟ عارفة قبل ما أروحله رحت لمرات بابا تاني أترجاها حتى لو هعيش خدامة عندها ومش عايزة منها أي حاجة غير بس أفضل في البيت.
فلاش باك!
هو إحنا مش خلصنا منك امبارح؟ رجعتي ليه تاني؟
كريمة: مين يا ياسمين اللي على الباب؟
ياسمين: دي الزفتة اللي اسمها فرح.
كريمة بحدة: إيه اللي رجعك تاني؟ مش وريتك ورقة تنازل أبوكي على البيت…. يعني البيت بقى ملكي أنا ويلا مش عايزة أشوف وشك هنا تاني.
فرح ببكاء: حرام عليكي ليه بتعملي فيا كده؟ أنا مستعدة أعيش معاكوا خدامة وهشتغل وهدفع أجرة العيشة هنا.. بس أرجوكي أنا ماليش مكان غير هنا.
كريمة بغضب وهي تدفعها بقوة حتى أسقطتها على الأرض: مش عايزين خدامين، غوري بقى يا ساتر.. الواحد صدق يخلص منك ومن أبوكي… ثم أغلقت الباب وتركتها.
فرح وهي تنهض من على الأرض: منك لله يا شيخة.
مي وهي تحتضنها بقوة: ربنا ينتقم منها…
فرح: شوفتي بقى يا مي؟ مكنش بإيدي غير كده لا إلا كنت هفضل في الشارع بس يا ريت كنت فضلت فيه أرحم من العيشة والتجريح اللي أنا عايشاه دلوقتي….
عارفة يا مي كريم حسسني بإيه بعد اللي حصل بينا؟ غير إني مجرد بيعة بيشتريها عشان يستفيد منها.. إني فتاة ليل هيقضي معاها ليلة وبعد ما تنتهي الليلة هيرميلها شوية فلوس.
مي بإشفاق: ماتقوليش كده، أنتِ مهما كان مراته.
فرح: لأ يا مي أنا مجرد صفقة.
مي: بس كريم عارف ظروفك والمفروض يكون فاهم إنك اضطررتِ لكده بسبب الظروف اللي اتحطيتِ فيها.
فرح بحزن: لأ يا مي هو شايفني واحدة طمعانة في شوية فلوس.. آه رفضت في الأول بس الفلوس الكتير برضه بتغري… ومجرد ما هيديني الفلوس هنسى أي وجع وجرح سببهولي حتى. ثم صمتت، ففهمت مي ما كانت تريد أن تقوله…
………………………………………….. ……………..
كان كريم يقف أمام البحر شارداً..
عمر: مالك يا كريم فيك إيه؟ أنا من امبارح وأنا قلقان عليك.
كريم بتنهيدة: مافيش يا عمر.
عمر: فرح برضه؟
كريم: مش عارف يا عمر بقيت بفكر فيها كتير أوي، بالرغم إن وجودي معاها قليل بس فيها حاجة بتشدني أوي من ساعة أول مرة جاتلي الشركة عشان أساعدها لما أبوها اتوفى.
عمر: مش بقول بتحبها؟
كريم: بحبها إيه؟ أنت ما بتصدق، أنت عارف كويس إني رافض فكرة الحب… بس حاسس إني ظالمها وظلمتها بالأخص بعد اللي عملته فيها.
نظر له عمر باستغراب شديد: مش فاهم.
كريم: مش مهم إنك تفهم، أنا هسافر بكره وأنت كمل شغل هنا.
ثم تركه كريم وذهب.
عمر: أمرك بقى عجيب يا صاحبي، بس أنا واثق إنك هتحبها لو مكنتش ابتديت تحبها.
………………………………………….. ……………………
بعد أن أنهت فرح عملها في المطعم.
سارة: هو أستاذ شادي كان واقف معاكي امبارح بالليل ليه؟
فرح: عادي يا سارة كان بيسألني عن حاجة.
سارة: مممممممم ماشي يا فرح، أروح أكمل أنا شغل بقى.
نظرت لها فرح باستغراب شديد.. ثم غادرت.
كان يجلس في منزله وهو شارد يفكر في تلك الفتاة التي جعلته يضعف للحظة للنساء.
شادي بتنهيدة: كلكم زي بعض خاينين، آخركم بس ليلة في حضن أي راجل… قطع شروده ذاك صوت هاتفه.
أيوة يا معتز.. لأ أنا ماليش مزاج أسهر النهارده اسهروا أنتوا.
معتز: ليه بس يا ابني مالك مش عوايدك يعني، ده الشلة كلها متجمعة يلا تعال.
شادي: اسهروا أنتوا.. أنا مش ليا مزاج سلام.
وقبل أن يغلق الخط.
معتز: خلاص أنا جيلك يا باشا نسهر مع بعض.
شادي: طيب سلام.
………………………………………….. ……………..
في صباح يوم جديد استيقظت فرح بنشاط فاليوم راحة لها بعد أول امتحان فلديها يومان إجازة قبل امتحانها الثاني.
بعد أن أدت صلاة الصبح، ذهبت إلى أمينة لتفطر معها وتعطيها دواءها.
أمينة: عارفة يا فرح أنتِ اللي معوضاني عن غياب كريم عني، دايماً عنده شغله بس بصراحة كان بيفضي نفسه ويجي يفطر معايا ويديني الدواء… بس دلوقتي بقيت مهمتك أنتِ، ربنا يخليكم ليا.
فرح بحب: ويخليكي لينا يا..
أمينة بنظرة محذرة: يا إيه؟
فرح بابتسامة: يا ماما.
في هذه اللحظة وصل كريم إلى الفيلا.
ودخل على والدته وجد فرح معها ويضحكان….
كريم بابتسامة: صباح الخير.
أمينة: صباح النور يا حبيبي.. رجعت من العين السخنة؟
كريم بتعب: لسه واصل حالاً.. بس قلت آجي أطمن عليكي يا جميل أنت الأول، ها أخبار صحتك إيه؟
أمينة بحب وهي تنظر لفرح: الحمد لله يا حبيبي، وربنا يخليلي فرح دايماً مهتمة بيا.
نظر كريم لفرح وجدها تخفض رأسها وتنظر للأرض.
فرح: عايزة حاجة تاني مني يا ماما؟ أنا هروح أذاكر بقى.
أمينة بحب: لأ يا حبيبتي ربنا ما يحرمني منك…
ذهبت فرح ونظر كريم لوالدته بتفحص: شكلك حبيتيها أوي.
أمينة: أوي أوي يا كريم، وعقبال اللي في بالي كمان لما يحبها.
كريم ليهرب من كلام أمه وهو يقبل يدها: بس عمالة تحلوي كل يوم عن اللي قبليه يا نونة.
أمينة بضحك: يا بكاش طالع لأبوك… ثم تنهدت بأسى: الله يرحمه.
كريم بحزن على والدته: الله يرحمه.
………………………………………….. ………………..
كان يجلس في مكتبه في الفيلا شارداً.. إلى أن جاءه عم سعيد.
كريم: تعال يا عم سعيد..
ها احكيلي…….
