ج الاخير قلم أمي حكايات زهرة

حسيت إن الدنيا اسودت في وشي تاني.. لفت وجسمي بيترعش وبصيت لمنى اللي كانت واقفة ورايا وسامعة كل كلمة، وعينيها برقت بالصدمة..
الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة.. جلطة في المخ؟ وأيامها معدودة؟
بصيت لجاري وأنا مشلول، ورجلي مش شايلاني. أمي.. الحاجة فاطمة اللي شقيت عليا وعملت مني راجل، الست اللي رغم كل اللي عملته كانت دايماً شايفة إنها بتعمل الصح لمصلحتي.. بتموت لوحدها في البلد؟ الندم أكل قلبي في ثانية؛ لأن السنتين اللي فاتوا كنت ملهي في تصليح بيتي ورضا مراتي، ومكنتش بروح لها البلد غير خطف، وهي كانت دايماً بتكلمني بصوت مكسور وتقولي: “تعال يا طارق نفسي أشوفك”، وأنا أقولها: “الشغل يا أمي وأقساط الشقة”.
لفيت وشي وأنا منهار ودموعي مغرقة وشي وبصيت لمنى. منى كانت واقفة وشايلة ليلى على حجرها، ملامح الصدمة كانت على وشها. كنت خايف من رد فعلها.. خايف تقول لي “متجيبش سيرتها” أو “دي ذنوبها وربنا بيخلص منها”.
قربت منها وأنا برتعش وقلت بصوت ضايع: “منى.. أمي بتموت.. أنا لازم أسافر المحلة حالا.. مش هأخرك معايا، هسيبك هنا في الشقة مع البت، بس ادعي لها.. بالله عليكِ ادعي لها بالرحمة.”
منى بصتلي نظرة طويلة، مكنش فيها أي شماتة، بالعكس.. شفت في عينيها نظرة الست الأصيلة اللي بتبان وقت الشدة. حطت ليلى بالراحة على الكنبة، وقامت وقفت قدامي، وحطت إيدها على كتفي وقالت بحسم وقوة:
“أنت بتقول إيه يا طارق؟ أسيبك تسافر لوحدك في الظرف ده؟ أمك تعبت وغلطت في حقي اه، بس هي في الأول والآخر الست اللي كبرتك وعملت منك الراجل اللي أنا واقفة معاه دلوقتي.. والرسول وصى على الأم تلات مرات. أنا هلبس وهلم هدوم ليلى، وهنسافر معاك المحلة حالا.”
مبقتش مصدق وداني.. منى؟ منى اللي انضربت واتهانت من أمي، هي اللي بتقول نسافر حالا؟ بوست راسها وأنا ببكي: “ربنا يخليكِ ليا يا بنت الأصول.. عمري ما هنسالك الموقف ده طول ما أنا عايش.”
في ظرف نص ساعة، كنا في العربية، وطايرين على طريق المحلة. الطريق كله كان عبارة عن كابوس، وأنا سايق وببكي وبدعي: “يارب ألحقها.. يارب متموتش وهي زعلانة مني.. يارب متموتش وحاسة إنها لوحدها.” ومنى كانت قاعدة جنبي، ماسكة إيدي وبتهديني، وبتقرأ قرآن بصوت واطي يطمن القلب، وليلى نايمة في الكرسي الوراني مش دارية بالدنيا.

