ج الاخير حق زينب للـ الكاتبة نرمين عادل همام
وراء كل باب حكاية

نزل عينه في الأرض، ودمعة يتيمة هربت منه. قال بصوت مهزوز: “أنا آسف.. والله العظيم ما كنت أقصد أكسر بخاطرك، ضغوط الشغل والحياة عمتني.”
قولتله بحسم: “بس قولت والكلام اللي بيطلع وقت الغضب بيكشف حقيقة اللي في القلوب يا كريم.”
رفع راسه وقال بقلة حيلة: “طب عايزاني أعمل إيه؟ ألم هدومي وأسيب البيت أنا ومراتي؟”
بصيت له نظرة أم قلبها قاسي من بره، بس بيتقطع من جوه: “أنا ما طردتكش. بس اللي يعيش في خير حد، يبوس إيده مش يقطمها. عايز تعيش هنا؟ تعيش باحترامك.. ومن النهارده، مفيش حاجة اسمها مية أمي وكهربا أمي.. في فواتير، واللي بيستخدم حاجة، يدفع تمنها.”
هز راسه باستسلام. وقام عشان يخرج.
بس اللي ما كنتش أعرفه ساعتها، إن نظرة الانكسار اللي في عين كريم، كان وراها حاجة تانية. كريم ما كانش راجع أوضته عشان يلم الدور ويصالح مراته. كان راجع عشان يفتح السحارة القديمة بتاعة أبوه.. الدرج الخشب اللي حسن كان قافل عليه بمفتاح مصدي بقاله سنين.
كان بيدور على ورقة معينة.. ورقة لو لقاها، النار اللي ولعت في البيت دي، هتكون مجرد شرارة صغيرة للي جاي.
الورقة اللي كريم كان بيدور عليها في سحارة أبوه القديمة، كانت أمله الأخير. كان بيدور على أي عقد، أي وصل أمانة، أي إثبات إن أبوه ساب له حتة من البيت ده يقدر يسند بيها ضهره قدامي وقدام المحضر. لكن اللي لقاه كسر آخر حتة غرور جواه.. لقى وصية بخط إيد حسن، وتنازل رسمي ومسجل عن كل طوبة في البيت باسمي، ومكتوب في آخرها: “عشان محدش يطمع فيكي أو يرميكي بعد ما أموت يا زينب.”
كريم قفل الدرج، وقفل معاه على الإحساس الكداب إنه “صاحب البيت”.
اليومين اللي بعدهم، البيت اتحول لخرابة. من غير كهربا ومن غير مية، الحياة وقفت. التلاجة ريحتها طلعت والأكل كله اترمى في الزبالة. الهدوم اللي كانت في الغسالة كمكمت وبقت ريحتها متتطاقش. بقوا عايشين على كشافات الموبايل اللي بتفصل، وعلى أزايز المية المعدنية اللي كريم بيجيبها بالكرتونة عشان يدخلوا الحمام.
داليا جابت آخرها. في اليوم التالت، وقفت في نص الصالة، وشها عرقان وهدومها متبهدلة، وزعقت بصوت جاب آخر الشارع: “أنا مش هعيش في العشة دي دقيقة كمان! إنت إيه يا أخي؟ مش عارف تتصرف في بيت أمك؟ أنا بمسح وشي بمناديل مبللة بقالي يومين، وشغلي كله راح عشان النت مقطوع!”

