اڼتقام الاخ ج 1 حكـايات مني السيد
ج1

فيه لا رحمة ولا أصل. باع الشقة لنفسه بتوكيل رسمي بالبيع للنفس والغير، ومن يومها مبقاش في مريم الزوجة… بقى في مريم الشغالة اللي بتصرف على البيت من مرتبها المحاسبي الهزيل، وتتحمل قلة الأدب عشان مفيش مكان تاني تروحه، ولا أهل تلجأ لهم.
أنت فين يا طارق؟ كان عندك حق… سامحني يا أخويا.
الهمسة دي طلعت من قلبها، دافية وسط البرد، وتاهت في هوا الليل.
في نفس الدقيقة دي بالظبط، عند مخرج صالة 3 في مطار القاهرة الدولي، كانت في عربية مرسيدس سودا وافية مستنية على جنب.
طارق نزل من بوابة الخروج. مكنش نفس الشاب اللي سافر من أربع سنين ودموعه محپوسة في عينه من قهرته على أخته. السنين اللي قضاها في شركات التأمين الدولي وعقود الحراسات في دبي وبغداد نحتت ملامحه نحت. دقنه كانت مشذبة بدقة، جسمه بقى أضخم وكتفه عريض زي الباب، ولابس جاكيت جلد تقيل فوق قميص رمادي. عينيه، اللي كانت زمان بتلمع بطيبة مهندس ميكانيكا هادي، بقت حادة ومركّزة زي الصقر، بتقرا كل حركة حواليه من غير ما يرمش.
في إيده الشمال كان ماسك شنطة سفر صغيرة، وتحت دراعه اليمين فايل جلد أسود، منفوخ أوراق وشهادات ودمغات رسمية ومختوم بخاتم نسر بارز.
أول ما طلع، شاب لابس بدلة كحلي نزل من العربية وجري عليه حمد الله على السلامة يا كابتن طارق. نورت مصر.
طارق مد إيده وسلم بقوة، صوته كان هادي ورخيم الله يسلمك يا رامي. جهزت كل اللي طلبته منك؟
رامي فتح له باب العربية الخلفي وقال وهو بيهز راسه كله على مية بيضا يا باشا. الأستاذ فريد المحامي اشتغل على الملف ده تلت شهور متواصلة، وجاب أصل الأصول. كل حركة، كل تحويل بنكي، وكل ورقة اتسجلت باسم المدعو هشام طلعت من الدفاتر القديمة. الراجل ده مفكر نفسه فهلوي، بس الغبي ساب وراه خيوط تفضحه وتوديه ورا الشمس.
طارق ركب وقفل الباب وراه برزعة مكتومة. فتح الفايل تحت نور الصالون الخفيف بتاع العربية. بص على صورة عقد بيع قديم، وتواريخ، وكشف حساب بنكي راجع لسنة قبل جواز أخته. عروق إيده برزت وهو بيضغط على الورق. همس بين سنانه خمس شهور… الكلب كان مجهز الڼصبة قبل ما يقرأ فاتحتها بخمس شهور.
رامي بص في مراية العربية وسأل هنطلع على الأوتيل الأول تريح من السفر يا كابتن؟ الطريق كان طويل وأنت بقالك يومين مانمتش.
طارق رفع عينه في المراية، ونظرة واحدة منه خلت السواق يبلع ريقه على مصر الجديدة يا رامي. على عمارة والدي الله يرحمه. الليلة دي مش هتعدي غير لما كل واحد في البيت ده يعرف مقامه وحجمه الحقيقي.
العربية شقت طريق المطار، سرعتها بتزيد مع كل كوبري، متجهة لنفس الشارع اللي مريم واقفة في بلكونته.
الساعة دقت اتناشر ونص بعد نص الليل.
مريم كانت لسه واقفة في البرد لما صوت حماتها زعق من وراها وقطع حبل أفكارها إنتِ يا بت يا مريم! ادخلي جوة واقفلي الهبابة دي، الهوا ھيموتنا برد! ولا هو دلع وخلاص عشان بكرة عيد ميلادك الهباب؟
مريم اتنهدت وفتحت درفتين الألوميتال ودخلت. الصالة كانت مقلوبة؛ قشر لب واقع على السجادة التبريزي بتاعة أمها، كوبايات شاي فاضية ملطشة على ترابيزة الصالون المدهبة، وسجاير هشام مطفية في طبق فاكهة كريستال كان أبوها جايبه من فرنسا.
هشام بص لها من فوق لتحت بنظرة استحقار، وهو بيهز رجليه ما تعمليلنا شاي يا سنيورة. ولا خلاص بقيتي ضيفة عندنا وناقص نجبلك شربات؟
مريم

