التلاجة ال قسمت البيت نصفين

متابعة القراءة
صفحة
6
/ 7
انت في الصفحة 7 من 7 صفحات
لسه واقفة مكانها، لكن الورقة اللي عليها الاسمين اتشالت.
فتح الباب، وبص للأرفف المليانة، وبعدها بص للتلاجة القديمة.
قال
هنخلي الأكل كله مشترك من النهارده، ونرتب الرفوف بالطريقة اللي تريحنا كلنا.
كنت واقفة عند باب المطبخ، وبنتيَّ نايمين فوق.
بصيتله وقلت
الموضوع مش الأكل يا فلان….
ثم توقفت، وابتسمت ابتسامة حزينة.
الموضوع إننا لازم نرجع نحس إننا عيلة واحدة.
هز راسه.
وبعدها بدأ ينقل بعض الأغراض من التلاجة الجديدة للقديمة، لحد ما بقى الأكل متوزع بطريقة طبيعية، من غير أسماء ولا حدود مصطنعة.
ما كانش المشهد كبيرًا، ولا فيه صړاخ أو اعترافات درامية.
لكنه كان أول تصرف صغير يثبت إن فيه حاجة بدأت تتغير.
الفصل الأخير قبل الفطار، عرفت مين صاحب البيت الحقيقي
عدّت أسابيع.
صحتي بدأت تتحسن، والبنات كبروا شوية، وبدأت أرجع أنظم يومي بالتدريج. اتفقنا إن رجوعي للشغل هيكون وفق خطة تناسب احتياجات البنات، من غير ما يتحول الموضوع لمعركة بيني وبين جوزي.
أما الأمور المالية، ففضلت تحت المراجعة لحد ما اتأكدنا من كل التفاصيل، واتفقنا على طريقة واضحة لإدارة المصاريف المشتركة.
جوزي بدأ يفهم إن المشاركة مش معناها إن كل طرف يتخلى عن حقوقه، وإن المسؤولية مش حاجة تتوزع حسب مين موجود في البيت أكتر.
لكن علاقتنا ما رجعتش في يوم وليلة زي ما كانت.
كان فيه چرح محتاج وقت، وثقة محتاجة تتبني من جديد.
وفي صباح هادي، بعد حوالي شهر من رجوعي من المستشفى، كنت بجهز الفطار في المطبخ.
سمعت خطوات جوزي، ودخل وهو لسه صاحي.
فتح التلاجة، ووقف يبص جوه شوية.
وبعدين لف ناحيتي وقال
هو إنتِ اللي حطيتي الأكل ده كله هنا؟
قلت وأنا بكمل تجهيز الفطار
أيوه. ليه؟
بص للأرفف، وبعدها بص للتلاجة التانية اللي كانت فاضية تقريبًا، وقال
أنا كنت فاكر إننا محتاجين تلاجتين عشان كل واحد يعيش لوحده بطريقته. لكن دلوقتي فهمت إننا كنا بنحاول نعالج مشكلة أكبر بطريقة غلط.
ما رديتش على طول.
كمل
أنا كنت فاكر إن السيطرة على القرارات هتخليني أحس إني مهم. لكن اللي حصل إني خليتك تحسي إنك مش مهمة عندي.
بصيتله، وقلت
المهم دلوقتي إنك تكون فهمت الفرق بين إنك يكون ليك رأي، وإنك تحاول تفرض رأيك على كل الناس.
هز راسه.
فهمت.
وبعدين قرب من الترابيزة، وبدأ يحط الأطباق.
لأول مرة من فترة طويلة، ما كانش فيه نقاش عن مين مسؤول عن إيه، ولا مين دفع كام، ولا مين له الحق يستخدم التلاجة.
كنا بنجهز الفطار مع بعض، زي ما كنا بنعمل قبل كل اللي حصل.
وفجأة، سمعنا صوت واحدة من البنات بټعيط فوق.
جوزي حط الطبق من إيده وقال
أنا هطلع أشوفها. إنتِ كملي الفطار.
بصيتله باستغراب بسيط، لأنه من فترة قصيرة كان بيتكلم عن رعاية البنات كأنها مسؤولية تخصني أنا وحدي.
لكنه طلع فعلًا، وبعد شوية رجع شايل واحدة منهم، وبيحاول يهدهدها.
ابتسمت من غير ما أقول حاجة.
ما اعتبرتش الموقف ده دليلًا على إن كل شيء اتصلح، لكنه كان خطوة صغيرة في الاتجاه الصح.
وبعد ما قعدنا على الترابيزة، بصيت للتلاجة القديمة والجديدة.
افتكرت اليوم اللي رجعت فيه من المستشفى، وأنا شايلة بنتيَّ، ولقيت ورقة على باب تلاجة بتعلن إن البيت اتقسم لعيلتين.
يومها، جوزي كان فاكر إن القوة معناها إنه يقدر يقرر لوحده، وإن سكوتي معناه إني ضعيفة ومش هقدر أواجهه.
لكنه اكتشف إن الهدوء مش استسلام، وإن طلب المساعدة مش ضعف، وإن الإنسان ممكن يحب عيلته ويكون مستعد يصلح علاقته بيها، من غير ما يتنازل عن كرامته أو حقوقه.
أما أنا، فتعلمت درسًا ما كنتش أتمنى أتعلمه بالطريقة دي.
إن الحب وحده مش كفاية لو مفيش احترام.
وإن البيت مش مجرد حيطان وأثاث وتلاجات مليانة أكل.
البيت الحقيقي هو المكان اللي كل فرد فيه يحس إنه متشاف، وإن صوته مسموع، وإن حقوقه محفوظة.
ولو اختفى الإحساس ده، ممكن تلاجة واحدة تكشف شرخًا أكبر من أي خلاف عائلي.
وفي النهاية، التلاجة اللي جوزي جابها عشان يقسم بيها البيت نصين، بقت شاهد على اللحظة اللي بدأت فيها أستعيد صوتي وكرامتي.
ما كانش انتصاري إني أجبرته يشيل التلاجة، ولا إني أخلي حماتي تمشي.
انتصاري الحقيقي كان إني رفضت أقبل إن حد يقرر قيمتي أو مستقبلي بدل مني.
أما جوازنا، فبقى قدامه طريق طويل عشان يستعيد الثقة اللي ضاعت.
وإذا كان هيكمل أو لأ، فده مش هيتحدد باعتذار واحد، ولا بفطار هادي، ولا بتلاجة رجعت مشتركة.
هيتحدد بالأفعال، وبالاحترام، وبقدرة كل واحد فينا إنه يشوف التاني شريكًا حقيقيًا، مش شخصًا لازم يسيطر عليه.
لأن العيلة مش بتتقسم لما يبقى فيها تلاجتين.
العيلة بتتقسم لما طرف ينسى إن اللي قدامه إنسان له كرامة وحقوق، وإن المشاركة عمرها ما كانت معناها إن حد يكسب والتاني يخسر.
