ج1 حكايات بسمة
ج1

ركبت عربية نص نقل كنت متفقة مع صاحبها من الصبح ومستنيني على أول الشارع. سواق العربية بص لي بفيض من التساؤل وهو شايفني طالعة مش شايفه قدامي وبنهج، بس ما نطقش. هزيت له راسي وقلت له بثبات صلب:
“على العنوان اللي اتفقنا عليه يا أسطى.. شقة المعادي.”
خلال الطريق، كان تليفوني مابيبطلش زن. شاشة الموبايل كانت بتنور باسم “أحمد” ورا التانية، وبعدها بقى ينور باسم “ماما أحمد”، وبعدها أرقام غريبة وشكلها أرقام قرايبه اللي حماتي بدأت تستنجد بيهم. ما رديتش على مكالمة واحدة. فضلت باصة للشباك، للبيوت والمحلات اللي بتعدي من قدامي بسرعة، وبفتكر كل لحظة إهانة. افتكرت لما كنت بمسك الجنيه وأحسبه قبل ما أجيب كيلو فاكهة زيادة للبيت، افتكرت المرة اللي أيدي اتلسعت فيها من الحلة القديمة المخرمة ولما طلبت يغيرها قال لي “حطي فيها حتة سلكة وسدي الخرم هتشتغل”، وافتكرت في نفس الشهر لما جاب لأخته طقم ألمونيوم كامل بمناسبة إنها غيرت السيراميك!
أنا مش زعلانة على الفلوس، أنا زعلانة على عمري اللي أتهدر مع راجل كان شايفني مجرد زينة أو أداة لتوفير مصاريفه، عشان يروح يثبت وجوده وكرمه بره بيته على حساب صحتي ونفسيتي وورث أبايا اللي طفح الدم عشان يؤمن لي بيه شقة تسترني.
وصلت الشقة.. الشقة اللي كانت شهدت على خمس سنين من البخل والعذاب والتقتير. فتحت الباب بالمفتاح، ودخلت الصالة الهادية. الشقة كانت مكتومة وريحة النظافة اللي بحاول حافظ عليها كانت مالية المكان، بس السرير المكسور في الأوضة جوه كان لسه بيمثل لي الشاهد الأكبر على كل حاجة.
مشيت ناحية أوضة النوم، وقبل ما أفتح الشنط الكبيرة عشان ألم هدومي ومتعلقاتي الشخصية، سمعت صوت خبط هادي ومتوتر على باب الشقة. اتجمدت في مكاني لحظة. توقعت إنه أحمد جرى ورايا بالطاكسي، بس الخبطة ما كانتش خبطة غضب أحمد المعتادة، كانت خبطة متترددة.
مشيت ببطء وبصيت من العين السحرية. كانت “سارة”، اخت أحمد الصغيرة. سارة كانت الوحيدة في العيلة دي اللي بتتكسف من أفعال أمها وأخوها، وكانت دايماً بتشوفني وأنا بتظاهر بالرضا وتسكت وهي عينيها مليانة شفقة.
فتحت الباب نص فتحة. سارة كانت واقفة ووشها جيب ألوان، ماسكة شنطة أيدها بتوتر شديد وبتبص لي بعيون دافقة بالدموع.
