ج الاخير حكايات بسمة
ج الاخير

أحمد كان يقف في قفص الاتهام، انكساره وذهوله كانا واضحين على ملامحه، لم يعد ذلك الرجل الذي يصرخ بوجهي ويقول لي بكل كبر: “هو إحنا ناقصين صرف؟”، بل كان شخصاً ضئيلاً تائهاً، أدرك أخيراً أن الظلم للبشر له نهاية، وأن حبل التزوير والافتراء قصير جداً. وحماتي كانت تجلس في الخلف، تحيط بها حسرتها وخيبتها بعدما تبددت كل ممتلكاتها ومطبخها الجديد وصالونها المعروض للبيع والمزاد العلني بقرار من البنك والنيابة لسداد الديون والرهن.
اعتلى قاضي الجنايات المنصة، وعم الصمت القاعة تماماً. فتح الملف ونظر إلى أحمد بصرامة وقار، ثم نطق بالحكم بصوت هز الأركان:
“حكمت المحكمة حضورياً:
أولاً: بسجن المتهم أحمد عبد الرحمن مدة ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ، لإدانته بتهمة التزوير في محررات رسمية واستعمالها.
ثانياً: إلزام المتهم برد كافة الأموال والمبالغ المستولى عليها لصالح البنك، وسقوط رهن مسكن الزوجية وتثبيت ملكيته الخالصة للزوجة.
ثالثاً: إلزام المتهم بالمصاريف الجنائية والأتعاب.”
وفور صدور هذا الحكم، أصدرت محكمة الأسرة في الجلسة المجاورة حكمها النهائي المكمل:
“الطلاق النهائي للزوجة نورهان للضرر البالغ، مع إلزام المطلق بسداد كافة مؤخر الصداق والمتعة ونفقة العدة كاش، والتمكين التام والنهائي للشقة.”
صرخ أحمد داخل القفص، وتسللت دموعه وهو يرى عساكر السجن يقيدون يديه بالحديد ليقتادوه مباشرة نحو السجن العمومي ليمضي عقوبته. حماتي غطت وجهها بيديها وهي تبكي على ابناً ضيع مستقبله ونفسه في سبيل المظاهر الكاذبة والاسترخاص على أقرب الناس إليه.
خرجت من باب المحكمة نحو الشارع، والشمس تشرق على وجهي بنورها الصافي. تنفست هواءً نقياً لم أذق طعمه منذ سنوات طويلة.
عدت إلى بيتي.. بيتي الذي أصبح ملكي وراحتي وأماني. دخلت الصالة، جلست على الأثاث الجديد، واستمعت لهدير الغسالة الجديدة وهي تعمل بنظافة وهدوء. ابتسمت ابتسامة رضى عميقة، وأنا أعلم أنني لم أخسر شيئاً، بل كسبت كرامتي، وحريتي، وحقي كاملاً.. وشهدت بأم عيني كيف يدور الزمان ليرد لكل ذي حق حقه.