حقوق ملكية الكاتبة نرمين عادل همام

“لازم نتكلم،” قال إبراهيم.
قفلت مريم الكتاب اللي كانت بتقراه: “سامعاك.”
قعد إبراهيم قدامها: “أنا يمكن اتعاملت مع موضوع خالتك بشكل مش مظبوط.”
“موضوع إيه؟”
“الميراث.”
مريم فضلت ساكتة.
“أنا كنت عايز أحميكي. أنتِ كنتِ منهارة بعد الجنازة ومش حاسة بالدنيا. وبعدها ظهر منتج تقيل ومحترم مهتم بالأرشيف. قلت بيني وبين نفسي نبيعه، وبالفلوس دي نسدد باقي قسط الشقة، ونوضبها، ويمكن نشتري شقة أكبر وأحسن.”
“وهما عرضوا كام؟”
إبراهيم اتردد: “لسه وبنتفاوض..”
مريم كانت هتجيب ابتسامة ساخرة: “إحنا؟”
غير كلامه بسرعة: “يا مريم، أنتِ مابتفهميش في سوق الموسيقى. فيه عقود وتراخيص وأرباح وتسجيلات، وغلطة واحدة ممكن تكلفك كتير. أنا مشيت شوية حلوين في الموضوع، ومحتاج بس تديني توكيل أخلص بيه.”
“توكيل؟”
بص لها إبراهيم: “أيوه.”
“زي الورقة اللي كنت عايز تمضيني عليها الليلة دي؟”
وش إبراهيم اتغير على طول: “أنتِ بتتكلمي عن إيه؟”
“عن التوكيل اللي كنت بتتفق عليه مع ‘آدم’ والمحامي بتاعه في المطعم.”
السكوت حل في الأوضة زي الباب المتقفل.
إبراهيم فضل ثابت مكانه ومش عارف يتكلم.
كملت مريم: “في ليلة عيد جوازنا العاشر.”
برمش كذا مرة واستغرب: “أنتِ كنتِ هناك؟!”
“كنت رايحة أشتري تورتة الفستق اللي أكلناها في أول خروجة لينا. كنت عايزة أحطها قدامك على الترابيزة وأشوف هل هترجع بيك الذاكرة وتفتكر اليوم ده ولا لأ.”
إبراهيم فتح بؤه.. ومش لاقي كلام يقوله.
كملت مريم: “افتكروني ويتر، وبعتوني على القاعة الخاصة.. وسمعت كل حاجة.”
“مريم.. أنا أقدر أفهمك..”
“ممتاز! فهمي بقى الجزء اللي قلت فيه إن مريم طيبة ومابتفهمش حاجة.. الجزء اللي قلت فيه إنها هتعيط شوية على فساتين خالتها وبعدين تنسى الموضوع.. الجزء ده يهمني أوي تسمعني تفسيره.”
وقف إبراهيم على حيله: “أنتِ بتاخدي الكلام برة سياقه!”
“وإيه هو السياق المناسب لما راجل يخطط لشهور عشان يخلي مراته تمضي على حاجة وهي مش فاهمة هي بتمضي على إيه؟”
“كل ده كان عشانّا!”
ضرب ببطن إيده على الترابيزة: “عشر سنين وأنا طالع عيني في البيت ده! عشر سنين بشيل مصاريف وفواتير! ودلوقتي تطلع خالة شفتيها مرتين في حياتك، تسيب شوية صناديق، وأطلع أنا الحرامي لمجرد إني حاولت أحول الحاجات دي لقرشين ينفعونا؟”
بصت له مريم بهدوء..
أخيراً ظهر الراجل اللي سمعت صوته ورا الباب..
مبقاش بيتظاهر خلاص.
“خالتي قضت ثلاثين سنة من عمرها بتحاول ترجع حقها اللي اتسرق منها.”
“خالتك كانت عايشة في وهم وماضي محدش مهتم بيه!”
“بس أنت اهتميت أول ما عرفت تسوى كام.”
إبراهيم صر على أسنانه: “ما تبقيش عبيطة! آدم ده كان هيدفع مبلغ يغير حياتنا كلنا!”
“حياتنا ولا حياتك؟”
“حياتنا!”
“طب قولي.. أنا كان هيطلعلي كام من البيعة دي؟”
إبراهيم ما ردش.
“طب وأنت كان هيطلعلك كام؟”
سكت تاني..
وكان ده كفاية جداً بالنسبة لها.
قامت مريم، دخلت أوضة النوم ورجعت بنسخة من رسالة خالتها إلهام.
حطتها قدامه على الترابيزة: “اقرا دي.”
“أنا مش محتاج أقر—”
“اقراها!”
بدأ إبراهيم يقرأ وهو متضايق، وبمرور الأسطر، إيده اتجمدت مكانها..
“وهيعمل فيها حد شاطر ويحاول يقنعك إنك مابتفهميش عشان يقرر بدالك.”
القصة خلصت خلاص..
حط الورقة على الترابيزة.
“وبعدين؟”
ما بقاش باين عليه الندم.. كان باين عليه غضب واحد خسر صفقة تجارية.
مريم حست بشعور غريب جواها..
مفيش كره..
مفيش غل أو رغبة في الانتقام..
هي ببساطة النهاية.
“دلوقتي أنا هرفع قض\ية طلاق.”
إبراهيم ضحك ضحكة متوترة: “أنتِ مش هتهدي بيت عاش عشر سنين عشان شوية شرايط قديمة!”
“أنا مش بهده عشان الشرايط..”
شاورت مريم على الرسالة: “أنا بفركش كل حاجة لأنني اكتشفت أنت بتعمل إيه من ورا ضهري لما بتفتكر إنني مش شايفاك.”
“هتندمي يا مريم.”
“يمكن..”
أخدت نفس عميق: “بس مش النهاردة.”
قضى إبراهيم الأسبوع اللي بعده يتنقل بين التهديد والاعتذار.
الصبح يهددها ويقولها إنها مش هتعرف تدير أرشيف أغاني لوحدها، وبالليل يبعتلها ورد. وفي يوم اتصل بيها وهو سكران يصرخ ويقول إن آدم والمحامين هيفرتكوا الورق ده، وتاني يوم يحلف إنه كان بيعمل كل ده عشان مستقبله ومستقبلها.
مريم مابقتش بترد عليه خالص.
أجّرت محامي متخصص في الملكية الفكرية عن طريق الأستاذة فريدة، والأرشيف اتحمى قانونياً، والتسجيلات بدأت تتوثق في حقوق الملكية والنشر.
وإبراهيم ضاعت منه أي فرصة إنه يتدخل.
وإجراءات الانفصال كانت ماشية.
فجأة، آدم اتصل بمريم على طول:
” مدام مريم.. أنا بفضل أتكلم من غير وسطاء.”
عرفت صوته في ثانية: “سامعاك.”
“أنا عايز أشري الأرشيف كامل.. المخطوطات والتسجيلات وحقوق الاستغلال والمواد اللي مانزلتش قبل كده.”
عرض عليها 5.8 مليون جنيه.
مريم جاب لها دوار من الرقم..
بالمبلغ ده تقدر تسدد باقي أقساط الشقة، وتساعد والدتها، وتغير عربيتها، وتعيش سنين طويلة من غير أي قلق مادي.
“كاش كدفعة واحدة؟” سألت.
“بالظبط.. أنتِ بتاخدي الفلوس وإحنا بنشيل كل الوجع ده ونخلص كل حاجة.”
مريم بصت لصورة لقيتها جوه الصناديق..
خالتها إلهام وهي عندها خمسة وعشرين سنة، واقفة قدام الميكروفون ولابسة فستان أزرق، ومغمضة عينيها وهي بتغني.
“وخالتي هتاخد إيه؟”
آدم سكت لحظة: “أفندم؟”
“هل اسمها هيتكتب كمؤلفة؟ هل القصة اللي حصلت معاها هتتقال؟ هل حقوقها الفنية الأصلية هتفضل محفورة؟”
“الكلام ده بيتحدد حسب الخطة التجارية والتسويقية.”
“يبقى لأ.”
“مريم.. فكري كويس، إحنا بنتكلم في حوالي 6 مليون جنيه!”
“أنا بفكر بقالي أسابيع..”
“عرض زي ده ممكن ما يجيكييش تاني.”
“وخالتي برضه جيلها عرض مغري وهي صغيرة.. وفهموها إن الناس الثانية بتفهم في البزنس أكتر منها، وبعد أربعين سنة كانت لسه بتحاول ترجع اسمها.”
آدم أخد نفس عميق: “وده قرارك النهائي؟”
“أيوه.”
وقفل السكة.
فضلت مريم واقفة بتترعش كام دقيقة..
مش عشان كانت مترددة..
لكن لأنها لسه رافضة مبلغ عمرها ما شافته في حياتها كلها.
عملية الاسترجاع والترميم أخدت أربع شهور.
فيه شريطين كانوا خلاص هيتبوظوا، والأغنية اضطروا يجمعوها حتة حتة. وفيه تسجيلة منهم، كان فيه صوت نويز أو شوشرة صغيرة في المقطع الثاني.
أحمد اقترح ينضف الصوت ديجيتال.
“سيبها زي ما هي،” طلبت مريم.
“ممكن تشيلها عادي.”
“عارفة.. بس الصوت ده فضل موجود طول السنين دي كلها، سيبه يفضل موجود.”
في الآخر، قدروا يسترجعوا سبع أغاني معروفة بتوزيعهم الأصلي وثلاث أغاني مانزلواش قبل كده خالص.
قررت مريم تنشر الشغل عن طريق شركة توزيع مستقلة، مع الاحتفاظ بكامل الحقوق وإعطاء تراخيص بشروط واضحة وحازمة.
غلاف البوم كان بسيط جداً..
صورة لإلهام قدام الميكروفون..
وفوق مكتوب:
“لوز سرور”.
وتحت مكتوب:
“أغاني عاشت ورجعت”.
وفي يوم نزول الألبوم، قضت مريم الصبحية كلها وهي بتعمل ريفرش للموبايل كل شوية متابعة ردود الأفعال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *