جوزي قال إنه هيتأخر في الشغل النهاردة في يوم عيد جوازنا العاشر، فقمت رحت لوحدي عشان أشتري تورتة وأفاجئه بيها؛ بس بسبب هدومي، افتكروني ويتر في المطعم وبعتوني على طول على قاعة كبار الشخصيات. وهناك سمعت صوته وهو بيقول: "أنا محتاج إمضاها بس." ما دخلتش ولا عيطت؛ وتاني يوم الصبح كلمت المحامية اكتشفت السبب اللي خلاه يمنعني أسابيع كاملة من إني أفتح الصناديق بتاعة خالتي إلهام... "ما تضغطش عليها، بكرة هتمضي على التوكيل، وهي أصلاً مش فاهمة هي بتمضي على إيه." أول ما "مريم" سمعت الجملة دي من ورا باب القاعة المقفولة، حست إن صينية العصير والحلويات اللي كانت شايلاها في إيدها تحولت لحجر تقيل. الصوت ده.. كان صوت "إبراهيم"، جوزها. في نفس الصباح، في شقتهم اللي في المعادي، صحيت مريم وهي متأكدة إنه فاكر إن النهاردة عيد زواجهم العاشر. قامت عملتله الفطار والقهوة، وحطت قدامه على الترابيزة المج الأزرق القديم اللي كان جايبهولها لما كانوا لسه متجوزين جديد وقاعدين في شقة إيجار صغيورة وبيعدوا القرشين اللي معاهم عشان يكفوا بقية الشهر. دخل إبراهيم يشرب القهوة وهو عينيه في الموبايل مش مفارقاه. وقال وهو نازل: "أنا متأخر أوي النهاردة، عندي اجتماع مهم جداً وممكن أرجع ورا نص الليل.. ما تستنينيش على العشا." سكتت مريم كام ثانية.. كانت مستنياه يبتسم، يمسك إيدها ويقولها: "كل سنة وإحنا مع بعض." بس ما عملهاش. ردت بصوت واطي: "ماشية.. ربنا معاك." في الشغل، زميلتها هي اللي كملت على وجعها لما قالتلها: "عشر سنين جواز يا مريم! وإبراهيم جابلك إيه بقى في المناسبة دي؟" رسمت مريم ابتسامة بالعافية وقالت: "الشغل واكل وقته اليومين دول، مش مهم.. نبقى نحتفل في يوم تاني." بعد الظهر، جت في دماغها فكرة بسيطة بس فيها حنية: تروح تشتري تورته فستق من مطعم قديم في الزمالك، المطعم اللي شهد أول خروجة ليهم مع بعض. إبراهيم داق الحلويات هناك من 14 سنة وقالها وهو بيضحك: "أنا عاوز أكمل بقية عمري معاكي." قالت في سرها: يمكن لما يشوف التورتة يفتكر.. أول ما وصلت الزمالك، لقيت المطعم مقفول ومحجوز بالكامل لحفلة خاصة، والمطر كان نازل يرف. فضلت تفتف حوالين المكان تدور على باب أستلام الطلبات لحد ما دخلت من باب الموظفين ورا. وبالصدفة المحضة، مريم كانت لابسة بلوزة بيضاء وبنطلون أسود.. أول ما شافها مدير الصالة وكان متوتر وجايب آخره، صرخ براحة: "أخيراً! أنا قلت البنت البديلة مش جاية ولا إيه!" مريم جت تتكلم: "لا، حضرتك فاهم غلط، أنا..." بس محدش سمعها ولا إداها فرصة! في أقل من دقيقة سحبوا منها الجاكيت، ولبسوها المريلة ودقوا في إيدها صينية: "القاعة الخاصة فوق، الباب الثاني.. حطي الحجة دي وارجعي بسرعة!" مريم قالت في بالها تخارج موقفها وتصلح الغلطة بعدين، ومشت في الممر وهي ماسكة الصينية بالعافية عشان ما تقعش. ورايحة تخبط على الباب.. سمعت صوت إبراهيم. اتسمرت مكانها. صوت راجل تاني جوه القاعة كان بيسأله: "هي مرتك تعرف خالتها كانت مين بجد يا إبراهيم؟" رد إبراهيم بثقة: "تعرف إنها كانت ست مجنونة شوية وبتحب الغنا وخلاص.. أنا فهمتها إن الصناديق اللي سابتها فيها أسطوانات قديمة وفساتين وشوية ورق مالهوش أي لازمة." رد الراجل: "بس 'إلهام سرور' ما كانتش مجرد ست بتغني وخلاص يا إبراهيم!" مريم حبست نفسها.. إلهام سرور دي تبقى خالتها! و"لوز سرور" – الاسم اللي قالوه بعد كده – ده كان اسم الشهرة لمغنية زمان كل الناس كانت بتحبها وكسرت الدنيا من كام سنة. مريم عمرها ما ربطت بين اسم خالتها وإلهام سرور الفنانة! كمل المحامي اللي قاعد معاهم: "حقوق ملكية الأغاني والألحان رجعت قانونياً لإلهام قبل ما تتوفى بفترة قصيرة. وفيه تسجيلات بصوتها محتفظة بيها، ونوت موسيقية ومواد تكفي إننا نعيد نشر شغلتها من جديد وتعمل ملايين! بس مريم هي الوريثة الوحيدة.. ومن غير إمضاها مش هنعرف ننقل ولا مليم ولا نعمل أي خطوة." ضحك إبراهيم ضحكة خفيفة وقال: "عشان كده بكرة الصبح هخليها تمضيلي على توكيل عام شامل. قلتلها ده مجرد إجراء عشان نقفل ملف الميراث وما تتعطلش هي في المصالح الحكومية." المنتج سأله: "وفرضنا فتحت الصناديق وشافت اللي فيها؟" إبراهيم رد: "مش هتفتحها.. أنا مأكد عليها من أسبوعين إننا هنبقى نروق الحاجات دي بعدين لما نفضى." مريم حست ببرودة نزلت على قلبها زي التلج. الكاتبة نرمين عادل همام الصناديق الأربعة دول مركونين في أوضة الضيوف عندهم في الشقة! كمل إبراهيم كلامه: " مراتي طيبة وبتصدق أي حاجة.. لو شافت الفساتين هتعيط على خالتها شوية وخلاص، ولو شافت الكشاكيل مش هتفهم فيها حاجة لأن مالهاش في الموسيقى اصلاً." المنتج سأله تاني: "أنت ضامن؟" رد إبراهيم من غير تردد: "عيب عليك.. مريم هتعيط كم يوم على خالتها وبعدين ترجع لحياتها عادي. بكرة الساعة 8 الصبح هتكون مضت على التوكيل." ورا الباب ده، وهي لابسة مريلة الويتر بالغلط في ليلة عيد جوازها العاشر، مريم فهمت إن الراجل اللي عاشت معاه 10 سنين وشالته في عينيها، بقاله شهور بيتكتك عشان ياخد منها حاجة هي نفسها ما كانتش تعرف إنها تملكها. اللي ما كانتش تعرفه ساعتها، إن الصناديق الأربعة دول مش بس هيكشفوه.. دول هيهدوا بيتها قبل ما الأسبوع يخلص. مريم ما دخلتش القاعة. شافها مهندس الصوت، شاب اسمه "أحمد"، واقفة ورا الباب ووشها أصفر زي الليمونة، ففهم إن فيه مصيبة. قالتله بصوت بيترعش: "أنا اصلاً مش شغالة هنا.. أنا كنت جاية أشتري تورتة." أحمد ما سألهاش عن تفاصيل، أخدها من إيدها، جابترها الجاكيت والشنطة وعلبة تورتة الفستق، وخرجها من باب العاملين ورا عشان إبراهيم ما يشوفهاش. وصلت مريم البيت قبله. سابت علبة التورتة مقفولة زي ما هي على ترابيزة السفرة. ودخل إبراهيم بعد نص الليل. فك ياقة قميصه وهو بيتأوه: "أوف! يا لهوي على التعب.. الاجتماع في الشركة في التجمع طوّل أوي وشربت المر." سألته بهدوء قاتل: "كنت فين؟" رد وهو بيكدب في عينها من غير ما يرمش: "قلتلك.. في المبنى الإداري في التجمع." عملتله شاي بأيد ثابته، وقعدت تبص عليه وهو بيشرب في المج اللي مكتوب عليه "أفضل زوج في العالم". ما واجهتوش.. ولا كلمة. أول ما إبراهيم نام وبدأ يشخر، تسحبت ودخلت أوضة الضيوف. تحت الملاية كانت الصناديق الأربعة مركونة زي ما هي. ما فتحتهمش.. مش دلوقت. تاني يوم الصبح، وإبراهيم نازل، بص لها وقال: "مريم، هعدي عليكي الساعة 6، عندنا معاد عند المحامي والمأذون/الشرع العقاري الساعة 8 عشان التوكيل.. جهزي بطاقتك." ردت بابتسامة باهتة: "حاضر." أول ما قفل الباب وراه، مريم جابت الإعلان الشرعي وورق القض\ية اللي إبراهيم كان سايبه من أسبوعين وقالها "أنا هخلص الأمور دي." لقيت مكتوب في الورق اسم ورقم تليفون مكتب الشهر العقاري والمحامي اللي هيتولى الموضوع. رفعت السماعة وطلبت الرقم. وبعد ساعتين، كانت مريم قاعدة وش لوش قدام الأستاذة "فريدة"، المحامية للشهر العقاري. "عايزة أعرف بالظبط أنا ورثت إيه،" قالت مريم. المحامية بصت لها بدهشة: "أنا افتكرتك عارفة خلاص. جوزك إبراهيم جه هنا مرتين يسأل عن الموضوع ده." مريم حست بصدمة قوية في صدرها. فتحت فريدة الملف. إلهام سرور، المعروفة فنياً باسم "لوز سرور"، قضت يجي ثلاثين سنة وهي بتطالب بحقوق وتأليف أغاني كتيرة اتسجلت واتسغلت لسنين من أطراف تانية. وقبل ما تتوفى بفترة قصيرة، قدرت قانونياً تسترد جزء مهم جداً من أعمالها. كان فيه مخطوطات، وعقود أصلية، وأشرطة ماستر، وعشر تسجيلات نادرة مانزلتش قبل كده، ومراسلات كافية إنها توثق اللي حصل كله. وكانت مريم هي الوريثة الوحيدة. "هو إبراهيم كان عارف كل ده؟" "أيوه." "وهو كان عارف إن الحاجات دي ممكن تكون قيمتها كبيرة أوي كده؟" سكتت فريدة لحظة.. "هو سأل عن النقطة دي بالذات برضه." مريم غمضت عينيها. بعدها فتحت المحامية صندوق الودائع وتطلّعت ظرف. "خالتك طلبت إن الظرف ده يتسلم ليكي أنتِ شخصياً." على الظرف من برة كان مكتوب بخط الإيد: "لعيد ميلاد مريومة." مريم عرفت الخط على طول.. وفتحت الرسالة. "يمكن ما تفهميش في العقود أو الموسيقى، وهيعمل فيها حد شاطر ويحاول يقنعك إن ده السبب اللي يخليه يقرر بدالك. ما تصدقيهوش. أنا وقعت في الغلطة دي مرة.. وضاع مني اسمي وأغانيّ وسنين طويلة وأنا بحاول أسترجعهم. افتحي دفاتري. وما تديش صوتك لأي حد يقولك إنه عارف مصلحتك أكثر منك." مريم بدأت تعيط.. مش عشان الفلوس.. بكت لأن الست اللي تفتكرها كانت بتغني لوحدها في قعدات العيلة، كانت عارفة بالظبط نوع الراجل اللي ممكن يظهر في طريقها في يوم من الأيام. "مش هعوز أمضي على أي توكيل عام،" قالت مريم في الآخر. "عايزة كل حاجة تفضل باسمي وأنا اللي هعمل كل إجراء بنفسي." هزت فريدة رأسها بالموافقة. وعلى مدار الساعات اللي بعد كده، بدأوا يثبتوا إجراءات الإرث ويقفلوا الباب قدام أي إدارة ما معهاش تفويض صريح من مريم نفسها. وقبل ما تمشي، مريم طلبت طلب تاني: "لو إبراهيم اتصل، ما تقوليلوش إني جيت." الساعة ستة وصل إبراهيم وهو متأنق ومتظبط زيادة عن اللزوم. "جاهزة؟" "مش هنروح." الابتسامة اختفت من على وشه: "يعني إيه مش هنروح؟" "قالولي عندهم مشاكل إدارية، والميعاد اتأجل." إبراهيم حاول يداري توتره، بس مريم شافت إيده وهي بتعصر كوباية المية من كتر الضغط. "طب خلاص.. الأسبوع الجاي." "الأسبوع الجاي،" كررت مريم. تاني يوم، أول ما نزل الشغل، فتحت مريم الصناديق أخيراً. لقيت فساتين، صور قديمة، بكر وأشرطة كاسيت، ودفاتر مليانة نوت موسيقية. على غلاف أول دفتر، اللي كتبته خالتها، كان مكتوب: "لوز سرور — الأغاني — الجزء الأول". فتفتكرت مريم الشاب "أحمد". وصلتله عن طريق استوديو الصوت اللي كان شغال مع المطعم. "محتاجة أعرف هل الأشرطة دي ينفع تتسمع لسه ولا خلاص؟" وافق أحمد يساعدها.. وفي نفس الأسبوع بدأ ينقذ أول التسجيلات. وفي نفس الليلة دي، دخل إبراهيم أوضة الضيوف، رفع الملاية، وشاف إن فيه صندوق من الصناديق اتفتح.. ووقف مكانة متثبت. ولأول مرة فهم إن مريم شكلها عرفت كل حاجة خلاص. بس اللي ما قدرش يتخيله.. هو هي عرفت لحد فين بالظبط. إبراهيم ما قالش ولا كلمة الليلة دي. رجع الملاية مكانها وخرج من الأوضة. بس مريم بدأت تلاحظ إنه بقى يراقبها. أوقات كان يصحى على وجه الفجر يلاقيها قاعد في المطبخ ولابسة سماعات كبار من اللي أحمد سلفهم لها، بتشغل التسجيلات المتفرغة بتاعة خالتها على موبايلها. ما كانتش بتسمع أغاني وبس.. كان فيه تدريبات، ومحادثات مع آلاتية وموسيقيين، واختبارات صوت، ومقاطع صغيرة بتتكلم فيها "إلهام" بين كل تسجيلة والثانية. في تسجيلة منهم، اتسمع صوتها وهي لسه صغيرة: "نعيد تاني من الأول.. ولو نشرتوا الكلام ده في يوم من الأيام، أبقوا اكتبوا اسمي كامل لو سمحتوا." قلعت مريم السماعات من على ودنها.. الكلمة دي كان عدى عليها أكثر من ثلاثين سنة. أحمد استعان بأستاذ "صابر"، فني قديم ومتقاعد لسه محتفظ بأجهزة بتقرأ البكر القديم ده. وهما الإثنين بدأوا يفرغوا الأرشيف. "فيه حاجات هنا تقيلة جداً ومهمة،" شرح لها أحمد. "ومش بتكلم عن الفلوس بس، ده فيه نسخ للأغاني دي غالباً مش موجودة في أي حتة تانية في الدنيا." مريم هي كمان بدأت تدور ورا الموضوع.. اكتشفت إن "لوز سرور" كان صوت معروف جداً في إذاعات مصر في السبعينات. ما كانتش نجمة الشباك الأولى، بس أغانيها عاشت مع الناس لما غناها مطربين تانيين. المشكلة إن لسنين طويلة محدش كان بيجيب سيرتها أو يذكر اسمها. بعد خلاف مع متعهد حافلات ومسؤول أعمالها، ضاعت من إلهام العقود والتسجيلات والسيطرة على ملكية أغانيها. وقضت سنين عمرها تجمع في الأدلة دي.. ولحقت تحقق ده قبل ما تتوفى بفترة قصيرة. في نفس الوقت، بدأ إبراهيم يجيله جنان وتوتر. في الأول اتصل بمكتب الشهر العقاري والمحامية. ردت عليه السكرتيرة: "إحنا بندي البيانات الخاصة بملف أستاذة إلهام سرور للوريثة بس." الكلمة دي قلقت إبراهيم جداً.. "الوريثة." ما بقيتش "مدام إبراهيم". وبعد كده بدأت تظهر تغيرات تانية.. مريم مابقتش تسأله عن يومه مشي إزاي. مابقتش تستناه لما يصحى. مابقتش تتنهد ولا تزعل لما يتأخر. الهدوء بتاعها ده بقى يخوفه أكثر من أي خناقة. وبعد خمس أيام، دخل عليها البيت وهو شايل بوكيه ورد كبير.ومريم كانت بتكره الورد "لازم نتكلم،" قال إبراهيم. قفلت مريم الكتاب اللي كانت بتقراه: "سامعاك." قعد إبراهيم قدامها: "أنا يمكن اتعاملت مع موضوع خالتك بشكل مش مظبوط." "موضوع إيه؟" "الميراث." مريم فضلت ساكتة. "أنا كنت عايز أحميكي. أنتِ كنتِ منهارة بعد الجنازة ومش حاسة بالدنيا. وبعدها ظهر منتج تقيل ومحترم مهتم بالأرشيف. قلت بيني وبين نفسي نبيعه، وبالفلوس دي نسدد باقي قسط الشقة، ونوضبها، ويمكن نشتري شقة أكبر وأحسن." "وهما عرضوا كام؟" إبراهيم اتردد: "لسه وبنتفاوض.." مريم كانت هتجيب ابتسامة ساخرة: "إحنا؟" غير كلامه بسرعة: "يا مريم، أنتِ مابتفهميش في سوق الموسيقى. فيه عقود وتراخيص وأرباح وتسجيلات، وغلطة واحدة ممكن تكلفك كتير. أنا مشيت شوية حلوين في الموضوع، ومحتاج بس تديني توكيل أخلص بيه." "توكيل؟" بص لها إبراهيم: "أيوه." "زي الورقة اللي كنت عايز تمضيني عليها الليلة دي؟" وش إبراهيم اتغير على طول: "أنتِ بتتكلمي عن إيه؟" "عن التوكيل اللي كنت بتتفق عليه مع 'آدم' والمحامي بتاعه في المطعم." السكوت حل في الأوضة زي الباب المتقفل. إبراهيم فضل ثابت مكانه ومش عارف يتكلم. كملت مريم: "في ليلة عيد جوازنا العاشر." برمش كذا مرة واستغرب: "أنتِ كنتِ هناك؟!" "كنت رايحة أشتري تورتة الفستق اللي أكلناها في أول خروجة لينا. كنت عايزة أحطها قدامك على الترابيزة وأشوف هل هترجع بيك الذاكرة وتفتكر اليوم ده ولا لأ." إبراهيم فتح بؤه.. ومش لاقي كلام يقوله. كملت مريم: "افتكروني ويتر، وبعتوني على القاعة الخاصة.. وسمعت كل حاجة." "مريم.. أنا أقدر أفهمك.." "ممتاز! فهمي بقى الجزء اللي قلت فيه إن مريم طيبة ومابتفهمش حاجة.. الجزء اللي قلت فيه إنها هتعيط شوية على فساتين خالتها وبعدين تنسى الموضوع.. الجزء ده يهمني أوي تسمعني تفسيره." وقف إبراهيم على حيله: "أنتِ بتاخدي الكلام برة سياقه!" "وإيه هو السياق المناسب لما راجل يخطط لشهور عشان يخلي مراته تمضي على حاجة وهي مش فاهمة هي بتمضي على إيه؟" "كل ده كان عشانّا!" ضرب ببطن إيده على الترابيزة: "عشر سنين وأنا طالع عيني في البيت ده! عشر سنين بشيل مصاريف وفواتير! ودلوقتي تطلع خالة شفتيها مرتين في حياتك، تسيب شوية صناديق، وأطلع أنا الحرامي لمجرد إني حاولت أحول الحاجات دي لقرشين ينفعونا؟" بصت له مريم بهدوء.. أخيراً ظهر الراجل اللي سمعت صوته ورا الباب.. مبقاش بيتظاهر خلاص. "خالتي قضت ثلاثين سنة من عمرها بتحاول ترجع حقها اللي اتسرق منها." "خالتك كانت عايشة في وهم وماضي محدش مهتم بيه!" "بس أنت اهتميت أول ما عرفت تسوى كام." إبراهيم صر على أسنانه: "ما تبقيش عبيطة! آدم ده كان هيدفع مبلغ يغير حياتنا كلنا!" "حياتنا ولا حياتك؟" "حياتنا!" "طب قولي.. أنا كان هيطلعلي كام من البيعة دي؟" إبراهيم ما ردش. "طب وأنت كان هيطلعلك كام؟" سكت تاني.. وكان ده كفاية جداً بالنسبة لها. قامت مريم، دخلت أوضة النوم ورجعت بنسخة من رسالة خالتها إلهام. حطتها قدامه على الترابيزة: "اقرا دي." "أنا مش محتاج أقر—" "اقراها!" بدأ إبراهيم يقرأ وهو متضايق، وبمرور الأسطر، إيده اتجمدت مكانها.. "وهيعمل فيها حد شاطر ويحاول يقنعك إنك مابتفهميش عشان يقرر بدالك." القصة خلصت خلاص.. حط الورقة على الترابيزة. "وبعدين؟" ما بقاش باين عليه الندم.. كان باين عليه غضب واحد خسر صفقة تجارية. مريم حست بشعور غريب جواها.. مفيش كره.. مفيش غل أو رغبة في الانتقام.. هي ببساطة النهاية. "دلوقتي أنا هرفع قض\ية طلاق." إبراهيم ضحك ضحكة متوترة: "أنتِ مش هتهدي بيت عاش عشر سنين عشان شوية شرايط قديمة!" "أنا مش بهده عشان الشرايط.." شاورت مريم على الرسالة: "أنا بفركش كل حاجة لأنني اكتشفت أنت بتعمل إيه من ورا ضهري لما بتفتكر إنني مش شايفاك." "هتندمي يا مريم." "يمكن.." أخدت نفس عميق: "بس مش النهاردة." قضى إبراهيم الأسبوع اللي بعده يتنقل بين التهديد والاعتذار. الصبح يهددها ويقولها إنها مش هتعرف تدير أرشيف أغاني لوحدها، وبالليل يبعتلها ورد. وفي يوم اتصل بيها وهو سكران يصرخ ويقول إن آدم والمحامين هيفرتكوا الورق ده، وتاني يوم يحلف إنه كان بيعمل كل ده عشان مستقبله ومستقبلها. مريم مابقتش بترد عليه خالص. أجّرت محامي متخصص في الملكية الفكرية عن طريق الأستاذة فريدة، والأرشيف اتحمى قانونياً، والتسجيلات بدأت تتوثق في حقوق الملكية والنشر. وإبراهيم ضاعت منه أي فرصة إنه يتدخل. وإجراءات الانفصال كانت ماشية. فجأة، آدم اتصل بمريم على طول: " مدام مريم.. أنا بفضل أتكلم من غير وسطاء." عرفت صوته في ثانية: "سامعاك." "أنا عايز أشري الأرشيف كامل.. المخطوطات والتسجيلات وحقوق الاستغلال والمواد اللي مانزلتش قبل كده." عرض عليها 5.8 مليون جنيه. مريم جاب لها دوار من الرقم.. بالمبلغ ده تقدر تسدد باقي أقساط الشقة، وتساعد والدتها، وتغير عربيتها، وتعيش سنين طويلة من غير أي قلق مادي. "كاش كدفعة واحدة؟" سألت. "بالظبط.. أنتِ بتاخدي الفلوس وإحنا بنشيل كل الوجع ده ونخلص كل حاجة." مريم بصت لصورة لقيتها جوه الصناديق.. خالتها إلهام وهي عندها خمسة وعشرين سنة، واقفة قدام الميكروفون ولابسة فستان أزرق، ومغمضة عينيها وهي بتغني. "وخالتي هتاخد إيه؟" آدم سكت لحظة: "أفندم؟" "هل اسمها هيتكتب كمؤلفة؟ هل القصة اللي حصلت معاها هتتقال؟ هل حقوقها الفنية الأصلية هتفضل محفورة؟" "الكلام ده بيتحدد حسب الخطة التجارية والتسويقية." "يبقى لأ." "مريم.. فكري كويس، إحنا بنتكلم في حوالي 6 مليون جنيه!" "أنا بفكر بقالي أسابيع.." "عرض زي ده ممكن ما يجيكييش تاني." "وخالتي برضه جيلها عرض مغري وهي صغيرة.. وفهموها إن الناس الثانية بتفهم في البزنس أكتر منها، وبعد أربعين سنة كانت لسه بتحاول ترجع اسمها." آدم أخد نفس عميق: "وده قرارك النهائي؟" "أيوه." وقفل السكة. فضلت مريم واقفة بتترعش كام دقيقة.. مش عشان كانت مترددة.. لكن لأنها لسه رافضة مبلغ عمرها ما شافته في حياتها كلها. عملية الاسترجاع والترميم أخدت أربع شهور. فيه شريطين كانوا خلاص هيتبوظوا، والأغنية اضطروا يجمعوها حتة حتة. وفيه تسجيلة منهم، كان فيه صوت نويز أو شوشرة صغيرة في المقطع الثاني. أحمد اقترح ينضف الصوت ديجيتال. "سيبها زي ما هي،" طلبت مريم. "ممكن تشيلها عادي." "عارفة.. بس الصوت ده فضل موجود طول السنين دي كلها، سيبه يفضل موجود." في الآخر، قدروا يسترجعوا سبع أغاني معروفة بتوزيعهم الأصلي وثلاث أغاني مانزلواش قبل كده خالص. قررت مريم تنشر الشغل عن طريق شركة توزيع مستقلة، مع الاحتفاظ بكامل الحقوق وإعطاء تراخيص بشروط واضحة وحازمة. غلاف البوم كان بسيط جداً.. صورة لإلهام قدام الميكروفون.. وفوق مكتوب: "لوز سرور". وتحت مكتوب: "أغاني عاشت ورجعت". وفي يوم نزول الألبوم، قضت مريم الصبحية كلها وهي بتعمل ريفرش للموبايل كل شوية متابعة ردود الأفعال. في الأول كانوا عشرين استماع وتنزيل.. بعدين بقوا مية.. بعدين بقوا بالآلاف. فيه صحفي مزيكا كتب القصة ونشرها، وفيه محطة راديو هنا في القاهرة خصصت برنامج كامل عن الأرشيف والنوت القديمة اللي استرجعت دي. وبدأت التعليقات تنزل زي المطر: "أمي كانت بتغني الأغنية دي وهي بتعملنا الأكل زمان." "جدي كان عنده شريط كاسيت فيه الصوت ده، بس عمرنا ما عرفنا مين صاحبة الصوت." "أنا اتجوزت على الأغنية دي من 38 سنة.. والنهاردة أخيراً عرفت مين اللي كتبتها ولحنتها." مريم قرت التعليق الأخير ده ثلاث مرات.. وبعدين حطت الموبايل على الترابيزة وبكت. ما كانتش بتعيط على إبراهيم ولا على سنين عمرها معاه.. كانت بتعيط من قمة الراحة والأمل.. وكأن فيه حد بعد ثلاثين سنة فتح باب مقفول وقال: "يا أستاذة إلهام سرور.. ده أمكن اهو، واسمك لسه عايش ومحفور هنا." عائدات الأغاني وحقوق الملكية بدأت تدخل ببطء.. ما كانش فيه 6 مليون كاش دفعة واحدة، كانت مبالغ صغيرة في الأول، وبعدين بدأت تزيد وتتحسن. وجاتلهم طلبات لإنتاج أفلام وثائقية، ولإذاعات، ونسخ جديدة بتوزيع حديث لبعض الأغاني. بس مريم كانت فاهمة إن الموضوع عمره ما كان مجرد ورث فلوس أو قرشين وخلاص. بعد ست شهور، أجّرت أوضتين صغيرين جوه معهد موسيقى قديم في وسط البلد. وبمساعدة أحمد، اشترت أجهزة مستعملة، وكمبيوتر، وبلانشيت صوت بسيطة، وبيانو قديم. وحطت يافطة صغيرة على الباب برة: "صوت خاص". وهناك بدأت تستقبل الملحنين والمطربين الشباب اللي لسه بيسجلوا أولى أغانيهم في حياتهم. مريم ما كانتش بتعلمهم غنا.. كانت بتعلمهم الحاجة اللي محدش علمها لإلهام زمان. كانت بتطلع نماذج العقود وتشرّح لهم: "الكلمة دي معناها تنازل تام عن الحقوق.. والكلمة دي معناها احتكار.. والكلمة دي معناها 'لمدى الحياة'. لو فيه حد ضغط عليك عشان تمضي عقد النهاردة، اطلب العقد وخده معاك البيت واقراه على مهلك. لو قالولك إنك مابتفهمش حاجة، ما تمضيش. ولو عرضوا عليك فلوس كتير أوي قصاد حاجة أنت لسه مش فاهمها، اسألهم بالظبط هما بيشتروا إيه." أوقات كانت بنت صغيرة تسألها: "حضرتك محامية؟" فبتكتفي مريم بابتسامة: "لأ.. أنا ست اتعلمت متأخر أوي إزاي تقرأ الكلام المكتوب بخط صغير." أحمد فضل يتردد على المكان ويظهر كل شوية.. في الأول عشان يصلح الوصلات والكابلات.. وبعدين عشان يفرغ تسجيلات جديدة.. وبعدين عشان يشرب معاها القهوة.. وبعد شهور فضل موجود عشان يتعشوا سوا. مريم ما كانتش عايزة تدي مسميات لأي حاجة لفترة طويلة.. بعد تجربتها مع إبراهيم، كانت الثقة عاملة زي اللي بيتعلم المشي تاني بعد ما رجله اتكسرت وتعبت.. وأحمد عمره ما ضغط عليها ولا استعجلها أبداً. بعد سنة كاملة من الليلة دي، رجعت مريم لمطعم الزمالك.. المدير اللي كان افتكرها ويتر زمان أول ما شافها افتكرها، ووشه أحمر من الإحراج: "يا فندم.. أنا لسه كسوف والموقف بيجي في بالي." ابتسمت مريم: "ما تقلقش.. ده يمكن كان أحسن غلطة حد عملها معايا في حياتي." طلبت تورتة فستق تيك أواي.. ما أخدتهاش معاها البيت.. ولا أخدتها لأحمد.. أخدتها معاها الاستوديو الصغير.. وحطتها جن جنب صورة خالتها إلهام. وبرة، كان المطر نازل يغرق الشوارع.. وفي الأوضة اللي جنبها، كانت فيه بنت عندها تسعة عشر سنة بتكرر لحن على البيانو، تغلط وترجع تعيد من الأول بثبات. قطعت مريم حتة من التورتة وبصت للصورة: "دلوقتي يا خالتي.." همست بصوت دافي: "دلوقتي كل الدنيا بقت عارفة اسمك." على مدار عشر سنين، كانت مريم فاكرة إن الحب معناه الثقة العمياء من غير ما تسأل ولا تفكر.. بس خالتها سابتلها درس مختلف تماماً: الثقة مش معناها إنك تسلم دماغك وماتفهمش.. والحب مش معناه إنك تدي حد تاني الحق إنه يقرر بدالك.. وفيه ورث ما بيجيش في شكل بيوت ولا مجوهرات ولا فلوس في البنوك.. أوقات بيجي جوه أربع صناديق قدم تراب.. وأوقات بيستنى سنين طويلة عقبال ما يتفتح.. وأوقات أغلى حاجة تاخدها ست من ست تانية.. مش بتكون مجرد أغنية، بل بتكون الشجاعة الكافية إنها ما تسمحش لأي حد في الدنيا إنه يكتم صوتها مرة تانية. نرمين عادل همام تمت