حقوق ملكية الكاتبة نرمين عادل همام

في الأول كانوا عشرين استماع وتنزيل..
بعدين بقوا مية..
بعدين بقوا بالآلاف.
فيه صحفي مزيكا كتب القصة ونشرها، وفيه محطة راديو هنا في القاهرة خصصت برنامج كامل عن الأرشيف والنوت القديمة اللي استرجعت دي.
وبدأت التعليقات تنزل زي المطر:
“أمي كانت بتغني الأغنية دي وهي بتعملنا الأكل زمان.”
“جدي كان عنده شريط كاسيت فيه الصوت ده، بس عمرنا ما عرفنا مين صاحبة الصوت.”
“أنا اتجوزت على الأغنية دي من 38 سنة.. والنهاردة أخيراً عرفت مين اللي كتبتها ولحنتها.”
مريم قرت التعليق الأخير ده ثلاث مرات..
وبعدين حطت الموبايل على الترابيزة وبكت.
ما كانتش بتعيط على إبراهيم ولا على سنين عمرها معاه..
كانت بتعيط من قمة الراحة والأمل..
وكأن فيه حد بعد ثلاثين سنة فتح باب مقفول وقال:
“يا أستاذة إلهام سرور.. ده أمكن اهو، واسمك لسه عايش ومحفور هنا.”
عائدات الأغاني وحقوق الملكية بدأت تدخل ببطء..
ما كانش فيه 6 مليون كاش دفعة واحدة،
كانت مبالغ صغيرة في الأول، وبعدين بدأت تزيد وتتحسن. وجاتلهم طلبات لإنتاج أفلام وثائقية، ولإذاعات، ونسخ جديدة بتوزيع حديث لبعض الأغاني.
بس مريم كانت فاهمة إن الموضوع عمره ما كان مجرد ورث فلوس أو قرشين وخلاص.
بعد ست شهور، أجّرت أوضتين صغيرين جوه معهد موسيقى قديم في وسط البلد.
وبمساعدة أحمد، اشترت أجهزة مستعملة، وكمبيوتر، وبلانشيت صوت بسيطة، وبيانو قديم.
وحطت يافطة صغيرة على الباب برة:
“صوت خاص”.
وهناك بدأت تستقبل الملحنين والمطربين الشباب اللي لسه بيسجلوا أولى أغانيهم في حياتهم.
مريم ما كانتش بتعلمهم غنا..
كانت بتعلمهم الحاجة اللي محدش علمها لإلهام زمان.
كانت بتطلع نماذج العقود وتشرّح لهم:
“الكلمة دي معناها تنازل تام عن الحقوق.. والكلمة دي معناها احتكار.. والكلمة دي معناها ‘لمدى الحياة’. لو فيه حد ضغط عليك عشان تمضي عقد النهاردة، اطلب العقد وخده معاك البيت واقراه على مهلك. لو قالولك إنك مابتفهمش حاجة، ما تمضيش. ولو عرضوا عليك فلوس كتير أوي قصاد حاجة أنت لسه مش فاهمها، اسألهم بالظبط هما بيشتروا إيه.”
أوقات كانت بنت صغيرة تسألها:
“حضرتك محامية؟”
فبتكتفي مريم بابتسامة:
“لأ.. أنا ست اتعلمت متأخر أوي إزاي تقرأ الكلام المكتوب بخط صغير.”
أحمد فضل يتردد على المكان ويظهر كل شوية..
في الأول عشان يصلح الوصلات والكابلات..
وبعدين عشان يفرغ تسجيلات جديدة..
وبعدين عشان يشرب معاها القهوة..
وبعد شهور فضل موجود عشان يتعشوا سوا.
مريم ما كانتش عايزة تدي مسميات لأي حاجة لفترة طويلة..
بعد تجربتها مع إبراهيم، كانت الثقة عاملة زي اللي بيتعلم المشي تاني بعد ما رجله اتكسرت وتعبت..
وأحمد عمره ما ضغط عليها ولا استعجلها أبداً.
بعد سنة كاملة من الليلة دي، رجعت مريم لمطعم الزمالك..
المدير اللي كان افتكرها ويتر زمان أول ما شافها افتكرها، ووشه أحمر من الإحراج:
“يا فندم.. أنا لسه كسوف والموقف بيجي في بالي.”
ابتسمت مريم: “ما تقلقش.. ده يمكن كان أحسن غلطة حد عملها معايا في حياتي.”
طلبت تورتة فستق تيك أواي..
ما أخدتهاش معاها البيت..
ولا أخدتها لأحمد..
أخدتها معاها الاستوديو الصغير..
وحطتها جن جنب صورة خالتها إلهام.
وبرة، كان المطر نازل يغرق الشوارع..
وفي الأوضة اللي جنبها، كانت فيه بنت عندها تسعة عشر سنة بتكرر لحن على البيانو، تغلط وترجع تعيد من الأول بثبات.
قطعت مريم حتة من التورتة وبصت للصورة:
“دلوقتي يا خالتي..” همست بصوت دافي: “دلوقتي كل الدنيا بقت عارفة اسمك.”
على مدار عشر سنين، كانت مريم فاكرة إن الحب معناه الثقة العمياء من غير ما تسأل ولا تفكر..
بس خالتها سابتلها درس مختلف تماماً:
الثقة مش معناها إنك تسلم دماغك وماتفهمش..
والحب مش معناه إنك تدي حد تاني الحق إنه يقرر بدالك..
وفيه ورث ما بيجيش في شكل بيوت ولا مجوهرات ولا فلوس في البنوك..
أوقات بيجي جوه أربع صناديق قدم تراب..
وأوقات بيستنى سنين طويلة عقبال ما يتفتح..
وأوقات أغلى حاجة تاخدها ست من ست تانية.. مش بتكون مجرد أغنية، بل بتكون الشجاعة الكافية إنها ما تسمحش لأي حد في الدنيا إنه يكتم صوتها مرة تانية.
نرمين عادل همام
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *