خدمة برتبة زوجة ج الاخير حكـايات منى السيد
عقلك وقلبك ومرارك كله هيفضل هناك، وهتتحول لنسخة تانية من الچحيم، بس على الضيق.
طارق رفع وشه وبصلي بذهول مش مستوعب يعني إيه يا هدى؟! يعني إنتي بترفضيني بعد ما وافقت على كل حاجة؟!
أيوا يا طارق، برفضك. الكلمة خرجت من لساني خفيفة وواضحة زي مية دهب برفض أعيش مع راجل مستني القلم من أبوه عشان يفتكر مراته مظلومة ولا لأ. برفض أعيش مع راجل ملوش موقف إلا لما يتحاصر بالقانون والقضايا. اللي بيحب بيصون من الأول، مبيستناش لما القايمة تتسحب والشنط تترمي في الشارع عشان يفوق.
بصيت لعمي إسماعيل يا عمي، إنت فوق راسي، بس ابنك مش بتاعي. ابنك بتاع أمه، خلوه في حضنها، جوزوه واحدة تانية تقدر تشيل طريقتكم وعيشتكم وتكون راضية بالخدمة والذل. أنا استحق راجل أكون معاه شريكة وتاج على راسه، مش شوكة في حلق عيلته.
هدى… طارق قام وقف، صوته كان بيرتعش إنتي بتهدي كل حاجة بجد؟ عشان إيه؟
عشان نفسي يا طارق. قربت منه خطوتين وبصيت في عينيه لآخر مرة عشان هدى اللي ضاعت سنة ونص وهي بتمسح وتكنس وتطاطي عشان ترضي ناس مبيملى عينهم إلا التراب. أنا النهاردة بس استرديت نفسي، ومستحيل أرجع أسلمها ليك تاني.
التفتت لبابا بابا… كلم أستاذ رأفت الصبح. إحنا مش هنرفع قضايا ولا فضايح. هنطلب الطلاق الودي على الإبراء من كل حاجة، باستثناء حاجتي وقايمتي ودهبي. يطلقني بالمعروف زي ما دخلنا بالمعروف، وكل واحد يشوف طريقه.
عمي إسماعيل مسك دماغه بإيديه الاتنين واتنهد بحړقة راجل حس بالخسارة الكبيرة، خسارة بنت أصول كانت ممكن تعمر بيتهم لو كان فيه عدل ورحمة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم… عندك حق يا بنتي. إحنا اللي ظلمناكي، وإحنا اللي معملناش حساب لليوم ده. قوم يا طارق… قوم نمشي.
طارق فضل واقف باصصلي لثواني، كان فيه في عينيه دموع حقيقية، دموع ندم متأخر جداً. الندم اللي بيجي بعد ما القطر يفوت وميبقاش وراه غير الهوا البارد. لف وشه وخرج ورا أبوه، وخطواتهم على السلم كانت تقيلة وحزينة، زي صوت جنازة لحاجة ماټت ومفيش أمل تصحى تاني.
الباب اتقفل وراهم. أمي قعدت على الكنبة وفضلت ټعيط، بس المرة دي مكنش عياط ندب، كان عياط تفريغ شحنة خوف استمرت أيام. وبابا… بابا جه وقف قدامي، وحط إيديه الاتنين على كتافي، وبص في عيني وفضل ساكت ثواني، وبعدين ابتسم ابتسامة فخر عمري ما هنساها دلوقتي بس يا هدى… اتأكدت إني ربيت ست بمليون راجل. برافو عليكي يا بنتي. كرامتك هي أغلى ما تملكي، واللي ميحافظش عليها ملوش مكان في حياتك.
حضنت بابا جامد، والحضن ده كان فيه راحة الدنيا كلها.
بعد أسبوعين اتنين… كنا في مكتب المأذون في مصر الجديدة. الجو كان هادي جداً، مفيش زعيق، مفيش خناق. طارق كان قاعد ساكت ومطأطأ راسه، وأبوه كان قاعد جنبه كشاهد، وبابا معايا. المأذون حط الدفتر قدامنا، ومضيت على قسيمة الطلاق. الحبر وهو بينشف على الورقة كان بيكتب شهادة ميلادي الجديدة.
خرجت من عند المأذون، وفي نفس اليوم العصر، عربية نقل كبيرة كانت واقفة قدام عمارة بيت العيلة القديمة. بابا وأعمامي كانوا واقفين يشرفوا على تنزيل العفش بالكامل حسب القايمة، بدون أي مشاكل، لأن عمي إسماعيل كان واقف ومسمحش لحد حتى يفتح بقه أو ينطق بنص كلمة. حماتي وسلفتي نورا كانوا واقفين ورا شيش البلكونة، شفت خيالاتهم وهي بتبص على عفشي وهو بيتنزل، عفشي النضيف
المترتب اللي كانوا بيتمنوا يفضل تحت إيدهم. بصيت للبلكونة من تحت، ومرفعتش حتى إيدي أسلم، مشيت وركبت عربية بابا ومبصيتش ورايا أبداً.
مرت سنة كاملة على اليوم ده…
النهاردة، أنا بكتب الكلام ده وأنا قاعدة في مكتبي الجديد في شركة استيراد وتصدير مالتي ناشونال، بعد ما رجعت لشغلي واترقت وبقيت مديرة قسم الحسابات. إيدي اللي كانت واكلاها الإكزيما؟ خفت تماماً وبقت ناعمة ونضيفة، بعد ما بطلت أحطها في مية القهر والإهانة، وبعد ما نفسيتي ارتاحت.
عرفت من فترة قريبة من قريبة مشتركة، إن نورا سلفتي بعد ما ولدت وخلفت، قلبت البيت على حماتي عاليها واطيها، واشترطت إن حماتي متنزلش عندها الشقة ومتربيش ابنها، وطارق لحد النهاردة قاعد في شقته القديمة زي البيت الوقف، أمه كل ما تجيبله عروسة تطفش بعد أسبوعين أول ما تفهم نظام بيت العيلة والتسخير الإجباري!
النهاردة لما بفتكر جملتي أنا متجوزاك إنت… مش متجوزة أهلك! بفهم إن الجملة دي مكنتش مجرد رد فعل في خناقة عادية… الجملة دي كانت صړخة حق، كانت خط النهاية اللي رسمته لنفسي عشان أوقف الڼزيف.
الجواز مش صفقة استعباد، وبيت العيلة مش معسكر سخرة لمرات الابن. الأصول والاحترام فوق راسنا، والبر بأهل الزوج واجب إنساني وديني بالمعروف والإحسان، بس عمره ما كان ولا هيكون على حساب كرامة الست وصحتها وإنسانيتها.
والراجل اللي ميعرفش يقف في النص بين أمه ومراته بالعدل، وميعرفش يحمي بيته بكرامة، ملوش إنه يفتح بيت أصلاً… لأن البيوت بتتبني على المودة والرحمة والاحترام المتبادل، ويوم ما يغيب الاحترام، يبقى الباب اللي يجيبلك منه الذل، مش بس تقفله… ده إنت تخلعه من جذوره وتمشي وإنت رافع راسك للسما.
