ج1 حق زينب للـ الكاتبة نرمين عادل همام

وراء كل باب حكاية واقعيه (حدثت بالفعل)

وداليا وقفت وراه تفرك في إيديها وتقول بصوت واطي: “عشان خاطري يا ماما.”

 

في اللحظة دي، شريط طويل عدى قدام عيني. الملايات المبلولة اللي قطمت ضهري. أوضتي الكبيرة اللي اطردت منها. صورتي أنا وحسن اللي اتشالت من على الحيطة. وكلمته اللي دبحني بيها: “أنا مش هدفع كهربا عشان غسيلك.”

 

بصيت للفني، وقولت بصوت واثق، هادي، وقاطع:

“شوف شغلك يا ابني.”

الفني نزل مفتاح الكهربا الرئيسي، وفي ثانية واحدة، البيت كله غرق في ضلمة كحل، وصمت مرعب.

التكييف اللي كان بيزن ليل نهار سكت. التلاجة الكبيرة فصلت. الشاشات انطفت. داليا وقفت حاطة إيدها على بوقها مش مصدقة، وكريم فضل باصص للعداد المتطفي كأنه بيبص على كرامته اللي اتهدت قدام عينه. في اللحظة دي، الكدبة اللي عاش بيها قدام نفسه وقدام مراته وأصحابه، اتكسرت ميت حتة.

أول ليلة من غير كهربا كانت بالنسبة لهم جحيم. الحر كان شديد، والناموس ما رحمهمش.

أما أنا… فدي كانت أهدى ليلة نمتها من سنين.

دخلت أوضتي الصغيرة، وفتحت الشباك اللي بيبص على الجنينة. الهوا كان بيرد الروح. لأول مرة من سنين ما أسمعش دوشة التلفزيون اللي بيفضل شغال للفجر، ولا هبد البيبان. سمعت صوت الليل على أصوله.. حفيف الشجر، وصوت صراصير الغيط من بعيد. حسيت إن روحي خفت، كأني رجعت زينب بتاعة زمان، صاحبة البيت وست الدار.

بعد أقل من ساعة، سمعت صوت داليا طالع من الأوضة الكبيرة، مخنوق وعالي: “أنا مش قادرة أتنفس من الحر! والهدوم اللي في الغسالة هتكمكم! إنت قاعد كدة بتعمل إيه؟”

كريم رد عليها بصوت مهزوز ومكسور: “بحاول أتصرف، بكلم ناس صحابي استلف منهم عشان أدفع المديونية الصبح.”

داليا زعقت: “تستلف؟ إنت مش قولت إنك بتقبض كويس وإنك اللي فاتح البيت ده؟ هو إنت كنت بتكدب عليا السنين دي كلها؟”

رد عليها بانفعال دارى بيه خيبته: “أنا كنت فاكرها بتشيل القرشين بتوعي على جنب! ما كنتش أعرف إن هي اللي بتصرف علينا من جيبها!”

 

ساد الصمت في الأوضة عندهم، صمت تقيل، مليان خجل وحسابات بتتراجع.

أما أنا، فرديت ضهري على السرير براحة، وابتسمت في الضلمة.

 

كانوا فاكرين إن الكهربا هي أكبر مشكلة عندهم. ما كانوش يعرفوا إن ده مجرد إنذار خفيف.. وإن صباح يوم الاتنين اللي جاي، عربية شركة المية هتقف نفس الوقفة تحت البيت. وساعتها بس، هيعرفوا إن البيت اللي استقووا فيه على صاحبته، مابقاش فيه نقطة مية تبل ريقهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *