ج1 حق زينب للـ الكاتبة نرمين عادل همام
وراء كل باب حكاية واقعيه (حدثت بالفعل)

ج1 حق زيبب الكاتبة نرمين عادل همام
“اطفي الغسالة حالًا يا أمي! أنا مش هفضل أدفع فواتير مية وكهربا عشان تغسلي هدومك في الوقت اللي يعجبك!”
الصوت رجّ حيطان البيت. نبرته كانت حادة وقاسية، كأنه بيكلم عيلة صغيرة أو شغالة عنده، مش أمه اللي شالته في بطنها.
كنت واقفة قدام الغسالة القديمة اللي جوزي الله يرحمه، حسن، كان جايبهالي. كان فيها ملايتين، وتلات بلوزات قطن، وشوية غيارات.. غسلة عادية جدًا لست في حالها عندها تمانية وستين سنة.
التفتّ لكريم. كان واقف على باب المطبخ، لابس بدلة الشغل ومستعجل. ورا ضهره كانت داليا مراته، ساندة على الحيطة وماسكة فنجان القهوة، وباصة لي بنظرة أنا حفظتها وبلعتها كتير على مدار السنين اللي فاتت.. نظرة بتقول بصوت عالي: “إنتِ بقيتِ حمل تقيل علينا.”
كمل كلامه وهو بيشاور بإيده بانفعال: “الفواتير بقت نار. كفاية كده، البيت ده لازم يبقى ليه نظام وحدود، مش سايبة هي!”
داليا أخدت رشفة من قهوتها وسندت على كلامه ببرود: “وكمان بتسيبي الأرض مبلولة حوالين الغسالة يا ماما، لو حد فينا اتزحلق ووقع، إحنا اللي هنتبهدل ونجري على الدكاترة.”
ما رديتش. بلعت الغصة اللي وقفت في زوري، ومديت إيدي قفلت زرار الغسالة. صوت دوران الحلة بدأ يهدى واحدة واحدة لحد ما سكت خالص، وكأنه خد معاه آخر ذرة صبر جوايا. فتحت الباب وسحبت الملايات بإيدي. المية كانت تقيلة، والملاية المبلولة شدت ضهري لتحت لدرجة إني حسيت بوجع نغزني في فقراتي. المية نقطت على الأرض، فكريم رجع خطوة لورا بسرعة عشان جزمته المتلمعة ما تتبلش، ونفخ بضيق: “أهو! شايفة؟ دلوقتي الأرض كلها غرقت!”
بصيت له ثانيتين، ولا كلمة رضيت تخرج من بين شفايفي. حطيت الهدوم في جردل بلاستيك أزرق، وشيلته ومشيت ناحية أوضتي الصغيرة اللي في آخر طرقة البيت. الأوضة اللي اتركنت فيها آخر أربع سنين. أيوه، أوضة ضيقة جنب منشر الغسيل والكراكيب، في البيت اللي المفروض.. إنه بيتي أنا.
البيت ده أنا وحسن شقينا فيه طوبة طوبة. اشترينا حتة الأرض دي أيام ما كان الشارع لسه تراب ومفيهوش عمود نور واحد. حسن كان فاتح محل أدوات كهربائية صغير في شبرا، وأنا كنت بوقف معاه فيه نهار وليل. حرمنا نفسنا من اللبس، من الخروجات، عمرنا ما سافرنا نصيف زي بقية الناس. كنا بنحط القرش على القرش عشان نبني الحيطان دي. ولما حسن مات بأزمة قلبية من خمس سنين، الدنيا اسودت في وشي. وقتها كريم جالي بشنطة هدومه وخدني في حضنه وقال لي: “يا أمي، إنتِ مستحيل تفضلي لوحدك بعد أبويا، أنا هاجي أعيش معاكي.”

