عيادة خاصة للكاتبة نرمين عادل همام

— دي حلاوة الدكتور يا عيني عشان يديكي البنج العالي وما تحسيش بحاجة.. ولا عايزانا نسيب الراجل بلاش؟

دخلوني أوضة العمليات، والبنج الابتدى يسري في جسمي زي التلج المسموم. كنت حاسة بجسمي بيموت ويتقل، بس عقلي كان لسه صاحي لثواني معدودة. سمعت شعبان بيقرب من راسي ويهمس للدكتور وهو مرعوب:

— يا دكتور.. هي كدة مش هتحس بحاجة خالص؟ يعني لما نبصمها على أوراق التنازل مش هتفوق؟

رد الدكتور بنبرة خبيثة وهو بيجهز المشرط:

— متقلقش يا شعبان.. الجرعة مظبوطة بالملي، هتبصم وتوقع وهي بين السما والأرض، ومحدش هيقدر يثبت إنها ما كانتش بكامل وعيها، والواد هيتسجل بالاسم ال عيزينه !

حاولت أصرخ.. حاولت أطوح إيدي وأضرب الدكتور، بس لساني اتعقد، وعيني اتفتحت على آخرها وهي شايفاك يا شعبان بتسسلمني للذئاب، وبعدها كل حاجة اسودت وغبت عن الدنيا.

بعد كذا ساعة، فقت على نار شاعلة في بطني، كأن حد جاب سيخ محمي ومشاه على جرح القيصرية. عينيا كانت بتدور في الأوضة المظلمة.. مفيش حد! لا ابن في حضني، ولا صوت عياط، ولا شعبان، ولا أمه.

قعدت أتنفّس بالعافية وأنا بصرخ بصوت مبحوح وطالع من قعر زوري:

— شعبان! يا شعبان! فين ابني؟ يا دكتورة يا اللي هنااا! ابني فين؟!

الباب اتفتح بلهفة، ودخلت “صباح”، الممرضة بنت الحارة اللي عارفة أهلي. وشها كان أصفر زي الليمونة وعينيها مليانة دموع ورعب، قربت مني ووطت على ودني وهي بتمسك إيدي المرتعشة:

—  يا وردة.. اسكيتي يا ختي وجمعي طولك! صرخت فيها وأنا بشد جلابيتي:

— ابني فين يا صباح؟! نطقيني قبل ما اطق وأموت! صباح بصت حواليها للخارج ووطت صوتها على الآخر:

— حماتك وجوزك خدوا العيل وخلعوا بيه من نص ساعة! قالوا للنبطشية إنك متنازلة عنه برغبتك وإن العيل رايح حضانة خاصة.. بس أنا شفت البلاوي يا وردة!

— بلاوي إيه؟ انطقي!

— شفتهم ماسكين صباعك وأنتِ غايبة عن الوعي ومغيبة تماماً تحت البنج، وبصموكي على ورق رسمي وتنازل عن الواد للحاجة أم صابر! والتقرير بتاع الدكتور مكتوب فيه إنك غير قادرة نفسياً وعقلياً على تربيته!

الدم في عروقي تحول لشرار. الوجع والجرح والنار اللي في بطني اتنسوا في ثانية، وحلت مكانهم روح ثانية خالص.. روح ست مجنونة بتدافع عن ضناها. قمت من على السرير والجرح بيشد وينزف، مسكت في الحيطة وأنا بأسناني وبإيد واحدة بسبك هدومي، وكنت ناوية أخرج للشارع أملأ الدنيا صريخ وأجيب الحارة كلها عليهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *