الذكرى الخامسة ج1 الكاتبة نرمين عادل همام

بصيتله طويلًا، وبعدين قلت:

خمس سنين من عمري اختصرتهم في كام ثانية يا آدم.

اتنهد بضيق، وكأنه هو اللي واقع في مصيبة، وقال:

كانت غلطة، وأنا مش عارف إزاي حصلت. متكبريش الموضوع أكتر من كده.

هزيت راسي وأنا برجع خطوة لورا.

لأ يا آدم، الغلطة إنك تنسى ميعاد مهم، أو تغلط في عنوان. إنما إنت كنت عارف إنت بتعمل إيه، واخترت تعمله بإرادتك.

لأول مرة، ملاقاش رد يقوله.

يمكن لأنه متعود إني أسامح.

أو يمكن لأنه طول السنين اللي فاتت، افتكر إن حبي ليه معناه إني هفضل أستحمل أي حاجة منه.

بس المرة دي كانت مختلفة.

مديت إيدي، أخدت شنطتي من على الكرسي، ولفيت ناحية الباب.

ناداني بقلق:

رايحة فين؟

رديت من غير ما أبصله:

رايحة بيتي.

اتنفس براحة، وكأنه فهم إني هخرج أهدى شوية، وبعدها هرجع لشقتنا الفخمة زي كل مرة.

لكن أنا وقفت مكاني، ولفيتله ببطء.

لأ، إنت فهمتني غلط. أنا قصدي إني راجعة بيتي فعلًا.

عقد حواجبه، وقال بنبرة حادة:

ما البنت عاقلة وبتتكلمي إزاي؟ شقتنا هي بيتك يا مريم!

بصيت حواليّا للمكتب الفخم، للأثاث الغالي، للرخام اللي كنت واقفة عليه، وللراجل اللي كنت فاكرة إنه سندي وأماني في الدنيا.

وبعدين رجعت بصيتله وقلت:

كان بيتي يا آدم. إنما دلوقتي مبقاش بيتي.

اتحرك بسرعة ووقف قدامي، مانعني أخرج.

إحنا مش هننهي خمس سنين جواز بالطريقة دي!

رفعت عيني في عينيه، وقلت بكل هدوء:

إنت اللي أنهيتهم يا آدم، مش أنا.

ولأول مرة من ساعة ما عرفته، شفت في عينيه حاجة شبه الخوف.

يمكن لأنه بدأ يستوعب إني مش بهدده، وإن المرة دي مش هتكون زي كل مرة.

لكن خلاص، أنا كنت أخدت قراري.

الساعة 4:17 الفجر، كنت بقفل شنطة سفر واحدة، وبخرج من الشقة اللي عشت فيها خمس سنين من عمري.

مخدتش معايا غير هدومي وحاجاتي الضرورية، وسايبة ورايا كل حاجة كنت فاكرة إنها بتعبّر عن حياتي.

ركبت عربيتي، وفضلت أسوق لحد ما أضواء القاهرة اختفت ورايا، وبعد ساعات من الطريق، وصلت لمدينة بعيدة محدش يعرفني فيها.

حجزت أوضة في فندق صغير باسم عيلتي قبل الجواز، وكنت فاكرة إن أصعب حاجة هواجهها هي إني أتعلم أعيش من غير آدم.

لكن بعد ساعتين من النوم المتقطع، صحيت فجأة وأنا حاسة بغثيان شديد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *