ج الاخير حكايات بسمة

ج الاخير

في يوم دافئ من أيام الخريف، كنت قاعدة في شرفة شقتي الجديدة، شرفة واسعة بتطل على الشارع الرئيسي، والشمس داخلة تنور المكان كله. كسر الهدوء صوت جرس الباب.

فتحت، لقيت أمي واقفة على الباب، شايلة في إيدها أكياس فيها أكل بيتي سخن، وابتسامتها المليانة حنان وفخر ماليّة وشها.

— يدخل الحلو اللي رفع راسي وأخد حقه كاش ودين؟

ابتسمت وحضنتها بقوة، حضن كان بقالي أربع سنين محرومة منه، حضن الأم اللي كانت حاسة ومستنية لحظة إفاقتي.

قعدنا في الصالة، صبيتلنا فنجانين قهوة من غير لبن، زي ما بحبها دايماً، ودخلنا في الكلام.

أمي بصت حولين الشقة بنظرة تأمل وقالت:

— الشقة حلوة يا ندى… بس الهدوء اللي في وشك أحلى بكتير من الشقة يا بنتي.

نظرت للفنجان في إيدي وقلت بهدوء:

— عارفة يا ماما… الأربع سنين دول كانوا أصعب سنين في حياتي، بس كانوا أكبر درس اتعلمته. أنا كنت فاكرة إن التضحية هي أساس الحب، وكنت فاكرة إن الزوجة الصالحة هي اللي تغمض عينها وتستحمل وتقول “عشان البيت يمشي”.

أمي هزت رأسها وقالت بكلمات من ذهب:

— الجواز يا بنتي مش ساحة معركة، بس كمان مش تكية! الراجل اللي يخليكي تضغطي على نفسك وتلغي كيانك وحقوقك عشان يعمّر على حسابك، ده مش بيستثمر في مستقبلكم… ده بيستثمر في طمعه.

رديت بثقة وارتياح:

— صح يا أمي. أنا اتعلمت إن الفلوس بتروح وترجع، بس الكرامة والثقة لو اتهانوا واتسرقوا، مابيرجعوش إلا بألم. أنا ما أخدتش الشقة دي عشان أنتقم، أنا أخدتها عشان أرجع حق البنت اللي حرمت نفسها من كل حاجة بسيطة عشان حلم اكتشفت في الآخر إنه كان مجرد كذبة.

### **الحكمة من القصة:**

إن أشد أنواع الخيانة ليس ذلك الذي يأتي من الغرباء، بل الذي يأتيك ممّن شاركك الفراش والطعام، وممّن أمنته على سرّك وعرقك.

* **الحب ليس شيكاً على بياض:** التضحية في العلاقات الزوجية يجب أن تكون متبادلة ومبنية على الشفافية المطلقة. حين تتحول تضحية طرف واحد إلى فرض عين واستحقاق مكتسب للطرف الآخر، فهذا ليس حبًا، بل استغلال مُقنّع باسم “العشرة”.

* **الحقوق لا تُستجدى بل تُوثّق:** القرش الأبيض في زمن الطمع يحتاج إلى أوراق تحميه. حسن النية لا يلغي العقل، والوثائق والأوراق الرسمية ليست دليل شكّ أو سوء نية، بل هي الصخرة التي تتكسر عليها مطامع النفوس الضعيفة عندما تتغير القلوب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *