ج الاخير حكايات بسمة

ج الاخير

بمجرد أن استلمت العقد الموثق والمختوم بختم الدولة، ومعه طقم مفاتيح الشقة الجديدة، أخرجت من حقيبتي أصل «إقرار الدين» القديم.

حماتي مدّت إيدها بلهفة واضحة، لكنني لم أسلّمه لها، بل وضعته في إيد أحمد مباشرة.

نظرت له وقلت:

— الورقة دي اتلغت خلاص لأن حق الفلوس رجع في صورة الشقة. لكن عقد التنازل عن نصيبك في بيت أهلك… هيفضل في خزنني.

حماتي بصلتي بغل مكتوم وقالت:

— أخدتي الشقة وخربتي فرحة بنتي، وعايزة كمان تحكمي ابني وتكسري كلمته بقية عمره! إنتي إيه؟ مابتعرفيش الرحمة؟

رديت عليها بصوت ثابت وأنا بحط العقد في شنطتي:

— الرحمة يا حماتي بتتطلب مع البنادمين اللي بيعرفوا الأصول، مش مع اللي بيجمعوا بعض عشان يسرقوا شقا واحدة أمنتلهم وفتحتلهم بيتها.

سحبت نفسي ومشيت من غير ما أسمع أي كلمة زيادة.

طول الطريق للشقة الجديدة، كانت دماغي بتشتغل. نزلت من التاكسي، ووقفت قدام العمارة. طلعت السلم الفاخر، وفتحت باب الشقة بـإيدي. الشقة كانت واسعة، شمس الصباح داخلة من شبابيكها، والهدوء فيها يريح النفس… بس جوايا كان في شرخ مش قادر يتصلح.

الشقة دي مش مجرد جدران، دي كانت ثمن أربع سنين من عمري، أربع سنين من الحرمان والضغط العصبي والخيانة.

بعد ساعتين، انفتح باب الشقة. دخل أحمد، كان شكله مهدود، دقنه طالعة وعينيه محمرة من كتر التفكير. قرب مني بخطوات خايفة، وبص للشقة وبصلي.

— ندى… الشقة خلاص بقت باسمك. وأمي وأختي أخدوا درس عمرهم ما هينسوه. أنا عارف إني غلطت، عارف إني عميت عيني عن الحق عشان أستسهل وأرضيهم على حسابك… بس والله العظيم أنا بحبك، ومستعد أعيش خدام تحت رجليكي هنا، ونبدأ من جديد بجد المره دي.

قعدت على حافة رخامة المطبخ، وربعت إيدي:

— تبدأ من جديد إزاي يا أحمد؟ إنت فاكر إن الأزمة كانت فلوس ورجعت؟

أحمد قرب ومسك إيدي، وصوته بيترعش:

— أومال إيه؟ إنتي أخدتي حقك وزيادة، والشقة بقت ملكك أنتي لوحدك. أنا مش عايز منها مليم، اعتبريها مهرك، اعتبريها حق الأربع سنين… بس بلاش تضيعي بيتنا. أنا جوزك!

سحبت إيدي من إيده بهدوء وقفت:

— جوزي اللي كان بينام جنبي في فرد ملاية واحدة، وهو عارف إن كل تحويلة بحولها له الصبح، بتروح عشان يشتري بيها شقة لأخته؟ جوزي اللي لما واجهته أول مرة قالي “هنبدأ من جديد” بدم بارد وكأن حشمتي وعرقي مالهومش قيمة؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *