ج الاخير ابني قالي

ج الاخير

في تلك الأثناء، كانت نيرمين تقضي عقوبتها في سجن النساء بالقناطر، وقد وصلتها أخبار تدهور حالة زوجها. أرسلت عبر محاميها الجديد استغاثة ملحة لسعاد، ترجوها فيها أن تستخدم نفوذها المالي والجامعي لعلاج كريم، وتطلب منها الصفح والتنازل عن باقي التعويضات المالية لتوفير مصاريف العلاج.

نظر الأستاذ عبد العزيز إلى سعاد وقال بنبرة هادئة:

— “يا سعاد هانم، القانون نُفذ وكريم بياخد عقوبته. لكن الإشراف الطبي في السجن محتاج موافقتك ومساعدتك المالية لو عايزة تنقليه لمستشفى خاص تحت الحراسة. القرار ده بتاعك إنتِ وحدك كأم.”

أغمضت سعاد عينيها لثوانٍ طويلة. مرت أمام ذاكرتها صور كريم الصغير، صرخاته الأولى حين ولد، وابتسامته وهو يركض نحوها بعد المدرسة، ثم تداخلت الصور مع مشهد ليلة المشويات، وكلامه القاسي: «مفيش مكان ليكي في العربية»، والورقة الخبيثة التي كتب فيها «نفتش أوضتها قبل ما نخرج».

قالت سعاد وهي تنهد بعمق:

— “عبد العزيز.. أنا أخذت حقي بالقانون وما ظلمتوش، بس أنا مش ربنا عشان أحرمه من العلاج أو أخليه يموت من غير ما يشوف ولاده. أجهز السفر للقاهرة فوراً.”

في اليوم التالي، وصلت سعاد برفقة الأستاذ عبد العزيز والأحفاد يوسف وملك إلى مستشفى السجن بالقاهرة. كانت أجواء المستشفى كئيبة، ورائحة المعقمات تملأ المكان. سمحت الحراسة لسعاد بالدخول بمفردها أولاً إلى غرفة العناية المركزة.

كان كريم يرقد على السرير الأبيض، أجهزة التنفس الاصطناعي تحيط به من كل جانب، ووجهه الشاحب الغائر لا يحمل أي ملمح من ملامح ذلك الشاب المغرور الذي كان يلف مفاتيح السيارة بيده.

حين فتح عينيه ورأى أمه تبكي بهدوء عند رأس كرسيه، انفجر في البكاء وصوته يخرج متقطعاً من تحت القناع:

— “ماما.. إنتِ جيتي؟ بعد كل اللي عملته فيكي جيتي؟”

لم تتكلم سعاد في البداية. وضعت يدها الدافئة على جبينه المبتل بالعرق الشديد، ونظرت في عينيه بحنان الأم الذي لم يستطع السجن أو الغدر أن يمحوه بالكامل، وقالت بصوت خفيض:

— “جيت يا كريم.. جيت عشان أنا أمك، وعشان حسن الله يرحمه ما كانش يرضى يسيبك كده.”

قال كريم وهو يمسك يدها بكل ما تبقى له من قوة:

— “سامحيني يا ماما.. والله العظيم نيرمين وأبوها غما عينيا، بس أنا اللي أذنبت في حقك.. أنا اللي كتبت الورقة بإيدي.. أنا اللي قلت لك مفيش مكان في العربية.. ودلوقتي أنا ماليش مكان في الدنيا كلها غير تحت رجليكي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *