سبع سنين

في يوم، كنت نازلة مصر ترانزيت يومين بس عشان أحضر فرح واحدة صاحبتي في فندق كبير في الزمالك.

كنت لابسة فستان نبيتي شيك، ماشية بثقة وفي إيدي شنطتي، والابتسامة مش مفارقة وشي. وأنا داخلة من باب الفندق، لمحت عند الرسبشن حركة مش طبيعية وصوت زعيق مكتوم.

بصيت بالصدفة… اتسمرت مكاني.

كان سيف.

بس مش سيف بتاع زمان. وش أصفر ومجهد، خاسس جداً، وموطي ضهره كأنه شايل جبل. كان واقف بيتخانق مع الويتر بصوت متوتر:

— “قلتلك الشوربة دي فيها توم! أنا ما بقدرش أكل التوم! أنت عايز تموتني؟ هاتلي المدير!”

وجنبه… كانت سارة.

بس ما كانتش شايلة العلبة البينك ولا كانت بتضحك. كانت واقفة مبوزة، ماسكة تلفونها بملل وبترد عليه بقلة صبر:

— “جرى إيه يا سيف؟ ما خلاص بقى! كل يوم نكد على الأكل؟ ما تاكل وخلاص أو بلاش تاكل! أنا تعبت من القرف ده، هو أنا الدكتورة بتاعتك؟”

سيف بص لها بنظرة كسرة وعجز، وقال بصوت واطي ومكسور:

— “أنا كبدتي بتولع يا سارة… أنتِ عارفة إن الأكل ده بيتعبني.”

ردت عليه ببرود وهي بتبص في تلفونها:

— “والله أنا قلتلك من الأول أنا ما بعرفش أطبخ، وأمي مش فاضية لك كل يوم. اطلب لك زبادي من السوبر ماركت وخلاص.”

في اللحظة دي، سيف رفع عينه… وعينه جت في عيني بالصدفة.

الزمن وقف بيه.

العلبة، التوم، سارة، الفندق… كل حاجة اختفت من حواليه. بص لي بذهول، عينه اتوسعت وهو شايف ندى جديدة خالص. ندى اللي طالعة زي الملكة، مش شايلة علب رصاصي، ولا خايفة من نبرة صوته، ولا بتجري وراه بدوا المعدة.

مشى ناحيتي خطوتين كأنه مش مصدق، وصوته طلع مبشوح ومكسور:

— “ندى…؟”

وقفت مكاني بمنتهى الثبات، ابتسمت له ابتسامة هادية جداً… ابتسامة غريبة، مفيهاش أي كره ولا عتاب، بس فيها الغربة كلها.

سارة تفت بصت عليه بغيظ ولما شافتني، سحبت شنطتها ومشيت وسابته واقف لوحده في نص الصالة.

سيف قرب أكتر، ودمعة نزلت من عينه رغماً عنه:

— “ندى… أنتِ كويسة؟ أنا… أنا دورت عليكِ كتير أوي. نزلت دبي، سألت صحابك، حاولت أصلح كل حاجة بس أنتِ كنتِ قافلة كل الأبواب.”

رديت ببرود راقي:

— “الحمد لله يا سيف، أنا بأحسن حال. أنت أخبارك إيه؟”

مسك معدته بإيده التانية تلقائياً، وقال بنبرة ندم تقطع القلب:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *