ج الاخير عمي بيشتغل حزار
حكايات زهرة

إنه يرجع.
عمي قرب.
وقف قدام القپر.
وقال
سامحني يا سليم.
سكت.
اتأخرت.
ماما مسكت إيده.
وسيف وقف بينهم.
وأنا بصيت للمشهد.
لأول مرة من خمس سنين…
حسيت إن عيلتنا رجعت تلم نفسها.
مش زي الأول.
لكن أحسن.
لأننا بقينا عارفين الحقيقة.
والحقيقة مهما كانت موجعة…
أرحم من إنك تعيش طول عمرك جوه كڈبة.
مرت سنة.
عمي فتح محل صغير بعيد عن الجزارة.
كان بيبيع خضار وفاكهة.
كل جمعة كان ييجي عندنا.
لكن المرة دي…
كان بييجي بإيده فاضية.
وأمي كانت تضحك وتقوله
فين كيس اللحمة يا عبد الصمد؟
فيضحك
كفاية عليا إنكم سامحتوني.
ماما تقول
مين قال إننا سامحناك؟
فيرد
أخويا.
وكان يشاور على صورة بابا المعلقة في الصالة.
وسيف كان يجري عليه.
عمو!
وعمي يفتحه حضنه.
وأنا كنت دايمًا أبص للمشهد ده وأفتكر الجمعة اللي اتقلبت فيها حياتنا.
الجمعة اللي عرفنا فيها إن الحاجة اللي كنا فاكرينها نعمة…
كانت وراها مصېبة.
لكن كمان…
الجمعة دي هي اللي خلتنا نكتشف الحقيقة.
وتمنع کاړثة أكبر.
وتعرفنا إن أبويا ماټ وهو بيحاول يحمينا.
وإن عمي…
رغم كل أخطائه…
قضى خمس سنين بيحاول يكفر عن ذنبه.
وفي آخر يوم في القضية…
الضابط سلمني صندوق صغير.
قال
ده كان من متعلقات والدك.
فتحته.
جواه ساعة بابا.
وخاتمه.
وصورة قديمة ليا وأنا طفلة.
وفي آخر الصندوق…
ورقة.
فتحتها.
كان مكتوب
لما تكبري، لو عرفتي كل حاجة، متخليش الخۏف يغير قلبك.
قرأت الجملة كذا مرة.
وبعدين ضحكت وسط دموعي.
حطيت الورقة على صدري.
وفهمت.
أبويا ماكانش عايزني أعيش طول عمري خاېفة.
ولا أكره عمي.
ولا أشك في كل شخص حواليا.
كان عايزني أعرف إن الشړ موجود…
بس الخير موجود برضه.
وإن الإنسان ممكن يقع…
بس يقدر يقوم.
وإن الحقيقة مهما كانت صعبة…
في النهاية هي الحاجة الوحيدة اللي بتخلينا نعرف نعيش بضمير مرتاح.
قفلت الصندوق.
ورجعت البيت.
ماما كانت في المطبخ.
سألتني
عملتي إيه؟
قلت لها
أخدت حاجات بابا.
قالت
وريني.
فتحت الصندوق.
ماما شافت الساعة.
لمستها.
وبكت.
وبعدين ابتسمت.
أبوكي كان بيحبك أوي.
بصيت لها.
عارفة.
سكتنا.
وفجأة سيف دخل جري.
ماما!
نعم يا حبيبي؟
عمو عبد الصمد جاي.
ماما بصتلي.
طب روحي افتحي له.
ضحكت.
حاضر.
خرجت.
فتحت الباب.
لقيت عمي واقف.
من غير كيس.
من غير لحمة.
بس ماسك كيس صغير.
قلت
إيه ده؟
ابتسم.
حاجة ليكي.
إيه؟
طلع منه علبة.
فتحتها.
لقيت فيها صورة قديمة.
أنا وبابا وعمي.
أنا كنت صغيرة جدًا.
عمي قال
لقيتها في حاجات أخويا.
بصيت للصورة.
وبعدين له.
ليه بتديهالي؟
قال
عشان تفتكري إن قبل كل اللي حصل…
كنا عيلة.
دموعي نزلت.
قلت
وإحنا لسه عيلة.
ابتسم.
أيوه.
حضنته.
ولأول مرة…
الحضن ده ماكانش فيه خوف.
ولا شك.
ولا أسرار.
كان فيه بس ۏجع قديم…
اتحول لحاجة شبه السلام.
ومن يومها…
ماما كل جمعة كانت تعمل لنا أكلة مختلفة.
فراخ.
محشي.
مكرونة.
سمك.
لكن اللحمة؟
ماكناش بنشتريها غير من مكان معروف جدًا.
وسيف كان كل ما يشوف جزار يضحك ويقول
ماما، فاكرة عمو عبد الصمد؟
فترد
فاكرة يا ابني.
ويضحك.
وأنا…
كل ما أشوف كيس أسود للحمة…
أفتكر أول يوم.
أفتكر عمي وهو بيقول
ده بقر اسكتلندي.
وأفتكر نفسي وأنا بضحك ومش فاهمة.
وأفتكر صرخته
إنتي أكلتيني من اللحم اللي بجيبهولكم؟!
زمان كنت فاكرة إن أكتر حاجة مرعبة في القصة…
هي اللحمة.
لكن بعد ما عرفت الحقيقة…
اكتشفت إن اللحمة ماكنتش هي المرعبة.
المرعب كان البشر اللي قدروا يعملوا كل ده.
والأصعب…
إن عمي كان واحد منهم في يوم من الأيام.
لكن الفرق…
إنه في آخر الطريق اختار ينقذنا.
اختار أخوه.
اختار سيف.
واختار إنه يعيش باقي عمره شايل ذنبه…
بدل ما يدفنه مع أبويا.
ومن ساعتها فهمت حاجة عمري ما هنساها
مش كل حد بيعمل غلط يبقى شرير للأبد…
ومش كل حد بيبان طيب يبقى بريء.
وأحيانًا…
الحقيقة بتستخبى في أكتر مكان عمرك ما تتوقعه.
حتى لو كانت جوه…
كيس لحمة.
