ج الاخير انا متزوجة حكايات روماني
ج الاخير

رجعنا البيت مع الضهر، الحارة كلها كانت واقفة مستنية، نسوان الحارة وزغاريدهم ملت السما، والرجالة شالوا إبراهيم على كتافهم من أول مدخل الشارع لحد باب البيت. دخلنا الصالة، صفاء ونهى نزلوا باسوا راس أمي ورجلها، وبعدين لفوا لإبراهيم ودموعهم نازلة تغسل سنين الكبر والجهل: “حقك فوق راسنا يا أسطى إبراهيم، إحنا اللي كنا شياطين وعمينا عيون رجالتنا، ومن هنا ورايح إنت كبيرنا وتاج راسنا، ومالناش كلمة بعد كلمتك”.
إبراهيم بص للبيت، وبص للصندوق الحديدي اللي كان لسه مفتوح في أوضة الخزين، وقعد جنب أمي على الكنبة، مسك إيدها وباسها وقال بهدوء ورضا: “الليل الطويل خلص يا ست الكل.. وكل واحد خد درسه، والأمانة رجعت لأهلها”. لكن في اللحظة دي، دخل الحاج عبد الصمد ومعه ظرف أبيض كبير ومختوم بختم رسمي لسه واصل حالا مع مندوب من المحكمة والشهر العقاري، بص لإبراهيم وقال بصوت جهوري خلى كل اللي في الصالة يسكتوا تماماً: “لسه فيه وصية أخيرة أبوكم كان سايبها مع الصندوق وما تفتحش غير لما كل أطراف القضية تخلص.
.. وصية هتقلب موازين البيت ده كله من أول وجديد!”. سكتت الصالة كلها، والأنفاس اتكتمت من تاني لما مسك الحاج عبد الصمد الظرف الأبيض المختوم، تقدم خطوتين وناوله لإبراهيم. إبراهيم فك الشمع الأحمر بحرص، وطلع ورقة قديمة بخط أبويا الله يرحمه، ورقة متوثقة رسمي بتاريخ قديم قبل وفاته بشهور. بص إبراهيم في الورقة، وعيونه اتملت بدموع حبسها بالعافية، وبدأ يقرا بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين:”أنا عبد الرحمن، بكتب وصيتي دي وأنا بكامل قواي العقلية وعارف إني هقابل وجه كريم.
عارف إن طمع الدنيا هيدخل بين ولادي، وعارف إن طارق وسامح عينهم على البيت والقرش وهيضيعوا نفسهم ورا السراب، وعارف إن بنتي هدى مالهاش ذنب. عشان كده، ربع البيت ده وأرض المخزن شيلتهم أمانة للي يصون أمهم ويشيل عارهم لو مال الزمان. لو بنتي وجوزها هما اللي وقفوا في ضهر أمهم وصانوا عرضها، فالبيت كله وأرض الورشة القديمة ومبلغ الشيك البنكي المجمد اللي في البنك الأهلي — اللي كان محجوز لفك الحراسة عن أرض العيلة — يبقى ملك خالص لبنتي هدى وجوزها إبراهيم، مكافأة ستر وصيانة كرامة، وولادي طارق وسامح ليهم حق العيشة والستر في شققهم فقط بعد ما يقضوا حق الله والقانون ويتعلموا إن رضا الأم تمنه أغلى من كنوز الأرض”.
