ج1 حب السيطرة للكاتبة نرمين عادل همام

ج1

في مرة قالتلي بجدية وبصوت ناشف: «بيتك محتاج ترتيب على نية يا مريم.» «على نية؟» «آه.. كل حاجة لازم يبقى ليها مكان وهدف.»

الكلمة المحبوبة ليها كانت «لازم». الستاير لازم تتعلق بطريقة معينة، الأكل لازم يتعمل بطريقة معينة، وتربية الولد لازم تمشي على هواها.. وأنا بقى، كان المفروض أستقبل كلامها ده كله بابتسامة وأقولها: «حاضر يا طنط».

في صباح اليوم ده، كانت لابسة بالطو بيج شيك، وحاطة نضارة الشمس فوق راسها، وفي إيدها كيس عيش فينو وحاجة حلوة من المخبز. ريحة البرفان بتاعها سبقت دخولها للمطبخ.. ريحة لافندر على ليمون قوية تقرف، كأنها طالعة من محل منظفات!

بصيتلها وأنا ماسكة فنجان القهوة وقلت: «يا طنط سناء.. لسه بدري أوي، الساعة لسه ما جتش تمانية.»

بصتلي باستغراب وقالت بمنتهى البساطة: «عارفة.. بس كنت معدية من هنا.»

كأن جملة «كنت معدية» دي هي الرخصة اللي تديها الحق تفتح باب بيتي بمفتاحها وتقتحم خصوصيتي من غير استئذان. لفت بعينيها في الصالة، وبعدين شاورت بصباعها: «لازم تجيبي جزامة صغيرة هنا عند الباب.»

بصيت للكوتشي المرمي جنب المدخل وقلت: «ده ياسين كان لابس الجزمة دي امبارح.» ردت بسرعة: «ما أنا بقولك أهو.. العيال بيتعلموا من اللي بيشوفوه.»

خدت نفس عميق عشان أظبط أعصابي. ياسين عنده أربع سنين، طفل دمه زي العسل، حساس، وبيضحك من قلبه. بيموت في عربيات المطافي، وبيحب الفطير اللي بعملهوله على شكل نجوم وكواكب. وكان بيحب جدته طبعاً.. أي عيل في سنه هيحب اللي بتجيله بكل أنواع الحلوى والأقلام الملونة والاستيكرات. هو مش فاهم إن جدته، أول ما بتمشي من هنا، بتبدأ تقطع في فروة أمه!

ما كنتش أعرف وقتها إنها قالت لكريم قبل كده: «الواد مش بيتكلم كفاية بالنسبة لسنه»، ولا كنت أعرف إنها بتفتش ورايا في أكل الولد. كنت حاسة بس إن أعصابي بتتشد زي حبل على وشك إنه يتقطع.

قلت لها بهدوء: «أنا هصحّي ياسين كمان شوية، دلوقتي مش وقته.»

وشها اتغير وجشرت: «أنا مش هقعد كتير.. وبعدين أنا جدته!»

وهنا بقى الفخ! كأن كلمة «جدته» دي كارت بلانش يديها الحق تدخل بيتي في أي وقت، وتقعد وقت ما تحب، وتتطلع على كل تفصيلة في حياتي وحياة ابني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *