خدمة حماتي بقلم انجي الخطيب

صغير، مكتوب عليه اسمي. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. الرسالة كانت قصيرة، لكن كل كلمة فيها كانت بتوجعني. بنتي ندى، أنا أبوكي سامح. يمكن عمرك ما شفتيني، ويمكن كبرتي وإنتِ فاكرة إني سبتك بإرادتي، لكن الحقيقة إني فضلت أدور عليكي لحد آخر يوم في حياتي. بعد ۏفاة أمك، كنت مريض ومش قادر أشتغل، ولما حاولت أرجع أخدك، اكتشفت إن الأوراق اتنقلت، وإن فيه ناس قالولي إنك مش موجودة في الدار. فضلت أدور عليكي، لكن ماقدرتش أوصلك. سامحيني يا بنتي، لو غيابي خلاكي تحسي إنك مش محبوبة. إنتِ كنتِ أغلى حاجة في حياتي، وكل يوم كنت بدعي ربنا يجمعني بيكي. لو ماقدرتش أشوفك في الدنيا، أتمنى تعرفي إن أبوكي حبك، وإنه عمره ما نسيكي. ماقدرتش أتكلم. كنت بعيط بصوت عالي، ومحمود حضڼي، والراجل الكبير كان بيمسح دموعه هو كمان. كل السنين اللي كنت فيها فاكرة إن أبويا تخلى عني، طلعت مش بالصورة اللي كنت متخيلاها. هو كمان كان بيدور عليا. هو كمان كان موجوع. ويمكن لو الظروف كانت مختلفة، كنت كبرت في حضنه بدل ما أكبر في دار رعاية. بعد ما هديت شوية، سألت الأستاذ حسن هو فيه أي حد يعرف مكان قپره؟ قال للأسف، المعلومات القديمة مش كاملة، لكن المحامي ممكن يساعدك في البحث من خلال السجلات المتاحة. المحامي وعدني إنه هيحاول يوصل لأي معلومات موثوقة، وبعدها خرجنا. طول الطريق، كنت ساكتة، وببص من الشباك. محمود مسك إيدي وقال إنتِ دلوقتي عرفتي إنه كان بيحبك، حتى لو ماقدرتيش تعيشي معاه. قلت كنت نفسي أقوله إني مسامحاه، وإن عمري ما كرهته. رد يمكن ربنا يكرمنا ونعرف نوصل لقپره، وتروحي تزوريه وتقوليله كل اللي في قلبك. وبالفعل، بعد أسابيع من البحث، قدر المحامي يوصل لمعلومات عن مكان ډفن أبويا في مقاپر عائلية قديمة في المنوفية. لما عرفت، أصريت أروح. محمود جهز العربية، وأخدنا ابننا معانا، وطلعنا من الصبح. الطريق كان طويل، لكني كنت حاسة إن كل خطوة بتقربني من جزء ضايع من حياتي. لما وصلنا المقاپر، نزلت من العربية وأنا ماسكة صورة أبويا. وقفت قدام قپره، وفضلت ساكتة وقت طويل. وبعدين قعدت على الأرض، وحطيت إيدي على التراب، وقلت بصوت مبحوح أنا جيت يا بابا… أنا ندى. أنا كبرت يا بابا، واتجوزت، وخلفت ولد جميل. كنت نفسي تكون معايا، وتشوفني وأنا ببدأ حياتي، وتشيل ابن بنتك في حضنك. أنا زعلت كتير، وكنت فاكرة إنك سبتني، لكن دلوقتي عرفت إنك كنت بتدور عليا. سامحني إني اتأخرت عليك، وسامحني إني ماعرفتش أوصلك بدري. أنا مسامحاك يا بابا، وربنا يرحمك ويجمعنا في الجنة. فضلت أعيط، ومحمود واقف جنبي، وابني في حضنه. وبعد شوية، محمود قرب مني وقال ربنا يرحمه يا حبيبتي. وإحنا هنا دلوقتي، وهنفضل فاكرينه، وهنحكي لابننا عن جده. رجعنا القاهرة، وأنا حاسة إن فيه حمل تقيل اتشال من على قلبي. مش كل الأسئلة اتجاوبت، ومش كل الۏجع اختفى، لكني أخيرًا عرفت إن غياب أبويا ماكانش معناه إنه ماحبنيش. وفي وسط محاولتي أرتب حياتي من جديد، وصلتني رسالة من حماتي. كانت رسالة طويلة، بتقول فيها إنها بدأت تراجع نفسها، وإنها راحت لشيخ في المسجد تسأله عن حق اليتيم والمال اللي اتمنع عن صاحبه، وإنها فهمت إن الطمع خلاها تظلم ناس مالهمش ذنب. كتبتلي إنها مش هتطلب مني أسامحها، لكنها هتفضل تحاول تصلح اللي تقدر عليه، وإنها مستعدة تشهد بكل اللي تعرفه في الإجراءات القانونية، حتى لو ده هيعرضها للمساءلة. قرأت الرسالة أكتر من مرة. ماكنتش عارفة إذا كنت هقدر أسامحها يومًا ولا لأ، لكني كنت عارفة إن اعترافها بالخطأ خطوة مهمة. رديت عليها برسالة قصيرة أنا مقدرة إنك اعترفتي باللي حصل، لكن الثقة مش بترجع بالكلام. لو عايزة تصلحي اللي فات، التزمي بالحقيقة، واحترمي حدودي، ومتدخليش في حياتي أو تربية ابني من غير موافقتي. ربنا يهديكي ويهدينا جميعًا. وبعدها قفلت الموبايل. كنت محتاجة أركز على نفسي وعلى ابني، وعلى حياتي اللي بدأت أخيرًا تتحرك في اتجاه جديد. بعد حوالي ست شهور، صدر قرار باستكمال إجراءات نقل الممتلكات المستحقة ليا وفق الوصية، وبعد مراجعة الحسابات والتسويات القانونية، قدرت أستلم جزءًا كبيرًا من حقي، بينما استمرت الإجراءات الخاصة ببعض التصرفات المالية القديمة وفق القانون. ماحسيتش إن الفلوس لوحدها هتعوضني عن طفولتي، ولا عن السنين اللي قضيتها من غير أهل، ولا عن الأيام اللي بكيت فيها من الجوع وأنا بعد الولادة. لكنها منحتني فرصة أعيش أنا وابني بأمان، وأوفرله مستقبل أحسن. اشتريت شقة صغيرة جميلة في مكان هادي، فيها شمس بتدخل من البلكونة الصبح، وأوضة واسعة لابني، وركن صغير حطيت فيه صور أمي وأبويا. محمود في الأول اعترض إني أصرف من فلوسي على الشقة، وقال إحنا عندنا بيت يا ندى، ومش لازم نبدأ من الصفر. لكنني قلتله أنا مش بشتري بيت عشان أهرب منك أو من حياتنا، أنا بشتري مكان أحس فيه إن ليا جذور. طول عمري كنت حاسة إني ضيفة في الدنيا، وعايزة أعمل لابني بيت يبقى عارف إنه بتاعه. ابتسم، وقال خلاص، يبقى نختار الأثاث سوا، ونخليها أحلى شقة في الدنيا. وفعلًا، قضينا أسابيع بنختار الألوان والستائر والأثاث. كنت كل ما أختار حاجة بسيطة، محمود يقولي دي حلوة، بس استني، أنا عندي فكرة أحلى. وفي الآخر، الشقة طلعت مزيجًا من اختياراتنا إحنا الاتنين، فيها حاجات بسيطة، لكنها مليانة حب. أما حماتي، فالعلاقة بيننا فضلت بعيدة. كانت بتتصل بمحمود من وقت للتاني، وتسأله عن ابنه، وهو كان بيرد عليها، لكنه وضحلها إن زيارة الطفل لازم تكون بالاتفاق معانا، وإنها مش هتقدر تدخل حياتنا زي الأول من غير ما يكون فيه ثقة واحترام. وفي عيد ميلاد ابني الأول، بعتت هدية صغيرة، ومعاها جواب. كتبت فيه لحفيدي الغالي، يمكن أنا حرمت نفسي من فرحة إني أكون جدة كويسة، بسبب أخطاء أنا عملتها، لكني بتمنى تكبر في بيت مليان حب، وتعرف إن أمك ست قوية، وإنها تستحق كل خير. أنا آسفة على كل لحظة ۏجع سببتها لها. جدتك عايدة. قريت الجواب، وبعدها بصيت لمحمود. قلتله إنت شايف أعمل إيه؟ قال القرار قرارك يا ندى. لو حبيتي تسمحي لها تشوفه في وجودنا، ده اختيارك. ولو لسه مش مستعدة، برضه من حقك. فكرت شوية، وبعدها قلت أنا مش همنع ابني من إنه يعرف جدته لمجرد إنها غلطت معايا، لكن مش هسمح إن اللي حصل يتكرر. لو هتشوفه، يبقى في وجودنا، وباحترام، ومن غير تدخل في حياتنا. محمود ابتسم وقال ده قرار عاقل يا حبيبتي. اتصلنا بيها، واتفقنا إنها تيجي تزورنا في الشقة الجديدة. يوم الزيارة، كنت متوترة، لكني كنت مصممة أكون واضحة من البداية. لما وصلت، كانت شايلة لعبة صغيرة لابني، ووقفت عند الباب وهي بتقول السلام عليكم. رديت وعليكم السلام،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *