خدمة حماتي بقلم انجي الخطيب

من أي حاجة وحشة. في اللحظة دي، حسيت إن لسه فيه أمل. يمكن حياتي اتقلبت، ويمكن الست اللي كنت بعتبرها أمي طلعت مخبية عني أسرار كتير، لكن لسه عندي زوج بيحبني، وابن محتاجني، وفرصة أبدأ من جديد. بس الحقيقة اللي كانت مستنياني تاني يوم، كانت أكبر بكتير من كل اللي تخيلته. في صباح اليوم التالي، جه أستاذ فؤاد المحامي للمستشفى. كان راجل كبير في السن، شعره أبيض، وملامحه هادية، وماسك ملف بني كبير. دخل الأوضة، سلم علينا، وبعدها بصلي وقال ألف سلامة عليكي يا مدام ندى. كنت أتمنى أقابلك في ظروف أحسن من كده. قلتله الله يسلم حضرتك. أنا بس عايزة أفهم كل حاجة من الأول، لأن اللي عرفته امبارح مش قادره أستوعبه. قعد على الكرسي المقابل لسريري، وفتح الملف. قال أنا هحكيلك اللي أعرفه، وهوريكي المستندات بنفسك. ولو فيه أي نقطة محتاجة توضيح، اسأليني في أي وقت. وبدأ كلامه جدك، الحاج عبد الرحمن الشربيني، كان رجل أعمال معروف في القاهرة والمنوفية. كان عنده بنت اسمها ليلى، وهي والدتك، وبنت تانية اسمها عايدة، اللي هي حماتك. ليلى اتجوزت شاب اسمه سامح، من عيلة بسيطة، وده كان سبب خلاف كبير بينها وبين أبوها. بصيتله وأنا بحاول أفتكر أي حاجة عن أمي، لكن ماكانش عندي غير اسمها اللي عرفته من ورق قديم شفته وأنا صغيرة. المحامي كمل جدك رفض الجوازة في البداية، لكنه بعد فترة وافق، خصوصًا لما عرف إن ليلى حامل. وبعد ولادتك بفترة، والدتك ټوفيت بسبب مضاعفات مرض كانت بتعاني منه، ووالدك اختفى من حياتك بعد فترة قصيرة. سألته اختفى إزاي؟ يعني ماټ؟ هز راسه وقال مافيش شهادة ۏفاة مؤكدة ليه في الملف، لكن فيه بلاغ قديم باختفائه. جدك حاول يدور عليه، لكنه ماقدرش يوصل له. وبسبب ظروف معينة، إنتِ اتنقلتي لدار رعاية، والملف اللي كان فيه بيانات عيلتك اتقفل من غير ما يتسلم لأي قريب. دموعي بدأت تنزل. أنا طول عمري كنت بسأل نفسي ليه محدش دور عليا، وليه محدش جه ياخدني من الدار، وليه كبرت من غير صورة واحدة لأمي. سألته طيب وجدي؟ هو ماټ إمتى؟ قال بعد ۏفاة ليلى بسنين قليلة. وقبل ما ېموت، كتب وصية واضحة، قال فيها إن نصيب بنت بنته ليلى لازم يوصل ليكي، وإن عايدة تكون مسؤولة عن حفظ الأوراق والممتلكات لحد ما يتم العثور عليكي. بصيت لمحمود، اللي كان قاعد جنبي ووشه متجهم. المحامي كمل لكن اللي حصل إن عايدة ماقدمتش الوصية للتنفيذ، وفضلت الممتلكات تحت إدارتها فترة طويلة، بحجة إن صاحبة الحق مش معروفة مكانها. محمود ضړب إيده على رجله وقال يعني ماما كانت عارفة مكان ندى من سنين، ومع ذلك ماقالتلهاش؟ المحامي هز راسه. أيوه. فيه مراسلات تثبت إنها عرفت مكان ندى قبل جوازها من حضرتك بفترة، وفيه كمان خطاب من دار الرعاية كان موجه ليها. بصيت للمحامي وقلت يعني هي كانت عارفة إني موجودة، وعارفة إني يتيمة، وعارفة إني كبرت لوحدي؟ قال للأسف، أيوه. حسيت بغصة كبيرة في حلقي. كل السنين اللي قضيتها في الدار، وأنا بتمنى حد ييجي في يوم عيد ميلادي، أو حد يسأل عليا، أو حد يقولي إن ليا عيلة، كان فيه حد يعرف مكاني، لكنه اختار يسكت. لكن المحامي قال حاجة خلتني أرفع راسي بسرعة. وفيه كمان خطاب بخط إيد والدتك، اتكتب قبل ۏفاتها بفترة قصيرة، وكان موجه ليكي. قلت بلهفة خطاب من أمي؟! هز راسه، وطلع من الملف ظرف قديم متآكل الأطراف. كان مكتوب عليه إلى ابنتي ندى، عندما تكبر وتعرف الحقيقة. إيدي بدأت ترتعش وأنا بمسك الظرف. محمود قرب مني وقال خدي وقتك يا حبيبتي. فتحت الظرف ببطء، وطلعت ورقة قديمة، مكتوبة بخط أنثوي رقيق. بدأت أقرأ ابنتي الحبيبة ندى، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أكون جنبك، وده أكتر شيء ۏجع قلبي قبل ما أسيب الدنيا. أنا مش عارفة هتكبري فين، ولا مين هيحضنك لما تخافي، ولا مين هيمسح دموعك لما ټعيطي، لكني عارفة إن ربنا أرحم بيكي من كل البشر. سامحيني يا بنتي، لو غيابي وجعك، ولو في يوم حسّيتي إنك لوحدك. إنتِ عمرك ما كنتِ عبء، ولا كنتِ غلطة، ولا كنتِ طفلة ملهاش قيمة. إنتِ أجمل حاجة حصلتلي في حياتي. لو كبرتي وقرأتي كلامي ده، عايزاكي تعرفي إن ليكي حق، وإن حقك مش مجرد فلوس أو بيت. ليكي حق تعرفي حكايتك، وحق تعيشي بكرامة، وحق تختاري الناس اللي تحبيهم من غير ما حد يضغط عليكي. ولو قابلتي أختي عايدة، أتمنى تكون طيبة معاكي، لأنها كانت أختي الوحيدة، وكنت بحبها رغم كل خلافاتنا. خلي قلبك رحيم، لكن ماتسمحيش لحد يستغل رحمتك. أحبك يا بنتي، حتى لو ماقدرتش أقولها لك كل يوم. أمك، ليلى. ماقدرتش أكمل. حطيت الورقة على صدري، وفضلت أعيط بحړقة. كنت بعيط على أمي اللي ماعرفتهاش، وعلى طفولتي اللي قضيتها مستنية حد ييجي ياخدني، وعلى كل مرة حسيت فيها إني مالياش مكان في الدنيا. محمود حضڼي، وقال إنتِ مش لوحدك يا ندى. أنا هنا، وابنك هنا، وهنعمل كل حاجة عشان نرجعلك حقك. المحامي استنى لحد ما هديت شوية، وبعدها قال فيه نقطة تانية لازم تعرفيها. جدك ماكانش سايبلك ممتلكات وبس، لكنه كان سايب رسالة لليلى، فيها تفاصيل عن خلاف قديم بينه وبين عايدة. محمود سأله خلاف إيه؟ المحامي فتح ورقة تانية وقال قبل ۏفاة جدك بفترة، اكتشف إن فيه مبالغ كبيرة اتسحبت من حسابات الشركة من غير علمه. التحقيق الداخلي وقتها أثبت إن فيه توقيعات مزورة، لكن ماقدرش يحدد المسؤول. وبعد ۏفاة جدك، الموضوع اتقفل. محمود بص لأمه في خياله، وكأنه بيحاول يربط كل الخيوط. وإنت شايف إن ماما لها علاقة بالموضوع؟ المحامي رد بحذر أنا مش باتهم حد، لكن فيه مستندات جديدة ظهرت بتشير إن بعض التحويلات كانت بتتم من حسابات تحت إدارة عايدة، وإن فيه توقيعات محتاجة فحص. قلت يعني ممكن تكون سړقت فلوس جدي؟ المحامي قال ده أمر لازم يتحدد قانونيًا، ومينفعش نحكم عليه قبل التحقيق. اللي أقدر أقوله إن فيه شبهة تستحق الفحص، وإن الوصية لازم تتنفذ، وحقوقك لازم ترجعلك. محمود قام وقف، وبدأ يمشي في الأوضة بعصبية. أنا مش مصدق إن أمي ممكن تعمل كل ده. مسكت إيده وقلت أنا مش عايزاك تكرهها يا محمود، بس مش هقدر أرجع أتعامل معاها كأن مفيش حاجة حصلت. بصلي وقال ومش مطلوب منك. إنتِ مش مطالبة تسامحي على حساب نفسك، ولا تفتحي باب بيتك لحد مش حاسة معاه بالأمان. الكلام ده ريحني شوية. كنت طول عمري بخاف أزعل الناس، وبخاف أكون سبب في مشاكل، وبحاول أرضي كل اللي حواليا حتى لو على حساب نفسي. لكن المرة دي، بدأت أفهم إن الطيبة مش معناها إني أقبل
