خدمة حماتي بقلم انجي الخطيب

الإهانة. بعد ما المحامي مشي، محمود فضل معايا في المستشفى، ورفض يرجع الشغل. لما سألته عن شغله، قال أنا أخدت إجازة كام يوم، ومش هسيبك لحد ما تطمني تمامًا. قلتله بس شغلك مهم يا محمود. ابتسم وقال وشغلي مش هيطير، لكن إنتِ وابني أهم. وبعد يومين، الدكتور سمحلي أرجع البيت، بشرط ألتزم بالراحة والعلاج، وما أشيلش أي حاجة تقيلة، وأتابع لو حسيت پألم شديد أو سخونية أو أي أعراض تقلقني. محمود رتب كل حاجة بنفسه. جاب ممرضة تساعدني في الأيام الأولى، واشترى الأكل اللي الدكتور نصحني بيه، وجهز سرير ابني جنب سريرنا. ولما دخلنا الشقة، حسيت بغصة. المكان اللي كنت فاكرة إنه بيتي الآمن، بقى مرتبط في ذهني بالخۏف والجوع والإهانة. محمود لاحظ إني واقفة عند الباب ومش عايزة أدخل. قرب مني وقال مالك يا حبيبتي؟ قلتله مش عارفة يا محمود. حاسة إني مش قادرة أنسى اللي حصل هنا. بص حوالينا، وبعدها قال خلاص، نغير اللي نقدر عليه. نرتب البيت من جديد، ونشيل أي حاجة بتفكرك بالأيام دي. ومش لازم تنسي بسرعة، ولا حتى لازم تسامحي دلوقتي. المهم تحسي بالأمان. دخلني الأوضة، وقعدني على السرير، وبعدها شال ابننا وحطه جنبي. قال ده بيتك يا ندى، ومحدش له حق يخليكي تحسي إنك غريبة فيه. لأول مرة من أيام، ابتسمت من قلبي. لكن الهدوء ماكملش كتير. في نفس الليلة، جرس الباب رن. محمود فتح، ولقي حماتي واقفة قدامه، عينيها وارمة من العياط، وفي إيدها شنطة صغيرة. قالت بصوت ضعيف محمود، أنا عايزة أشوفك وأتكلم معاك. محمود وقف عند الباب وقال اتفضلي، بس ندى مش مستعدة تقابلك دلوقتي. حماتي بصت من وراه، ولما شافتني قاعدة في الأوضة، قالت أنا مش جاية أعمل مشكلة. أنا جاية أعتذر. قلبي اتقبض. جزء مني كان نفسه يسمع الاعتذار، وجزء تاني كان رافض يصدق إن كل اللي حصل ممكن يتصلح بكلمتين. محمود قال اتفضلي اقعدي في الصالة، وأنا هسمعك. دخلت، وقعدت على الكنبة، وفضلت تفرك إيديها في بعض. بعد شوية قالت أنا عارفة إن اللي عملته غلط، وعارفة إني جرحت ندى، لكن أنا كنت خاېفة. محمود رد كل شوية بتقولي خاېفة. خاېفة من إيه يا ماما؟ حماتي بصتلي، وبعدها قالت خاېفة إنك تبعد عني لما تعرف الحقيقة. محمود اتنهد وقال إنتِ اللي بعدتيني عنك بتصرفاتك، مش الحقيقة. نزلت دموعها، وقالت أنا عارفة. بس اسمعني للآخر، وبعدها احكم عليا زي ما تحب. وبدأت تحكي. قالت إن أبوها، الحاج عبد الرحمن، كان بيحب بنتيه، لكن خلافاته مع ليلى كانت بتخليه أحيانًا يتصرف بعناد. وبعد ۏفاة ليلى، حصلت مشاكل كتير في العيلة، خصوصًا بعد اختفاء سامح، أبويا. حماتي قالت إنها حاولت تدور على ندى، لكنها كانت پتخاف كل ما تقرب من الحقيقة، لأنها كانت عارفة إن ظهور ندى هيكشف أمور قديمة تخص إدارة أموال أبوها. لكن محمود قاطعها إنتِ بتقولي إنك حاولتي تدوري عليها، وفي نفس الوقت فيه جواب من دار الرعاية كان عندك. ليه ما رحتيش؟ حماتي سكتت. وبعد لحظة قالت عشان كنت طماعة. الكلمة خرجت منها بصعوبة. كنت شايفة إن الفلوس دي هتضيع مني لو ندى ظهرت، وإن كل اللي بنيته في السنين دي ممكن يروح. ومع الوقت، خۏفي اتحول لطمع، والطمع خلاني أبرر لنفسي كل حاجة. أنا كنت قاعدة ساكتة، وبسمعها وهي بتعترف، لكن كل كلمة كانت بتفتح چرح جديد. قالت ولما محمود قاللي إنه هيتجوزك، عرفت اسمك بالكامل، واتأكدت إنك بنت ليلى. في الأول فكرت أقولك الحقيقة، لكن بعدين خفت إنك تطلبي حقك، وإن المحامي يراجع حسابات الشركة القديمة. ففضلت ساكتة. محمود بص لها بذهول. يعني من أول يوم دخلت ندى بيتنا، إنتِ كنتِ عارفة إنها صاحبة الحق اللي إنتِ مخبياه؟ هزت راسها. أيوه. قلت بصوت مبحوح طب ليه كنتِ بتعامليني كويس في الأول؟ حماتي بصتلي، ودموعها بتنزل. عشان كنت بحاول أضمن إنك تثقي فيا، وإنك ما تسأليش عن أهلك أو عن أي حاجة تخص الماضي. وبعد ما اتجوزتوا، كنت كل ما أحس إنك قريبة مني، أتراجع وأخاف. حسيت بغصة. كل لحظة حلوة بينا، كل مرة حضنتني فيها، كل مرة قالتلي إنها بتحبني زي بنتها، بقيت بسأل نفسي كانت صادقة ولا كانت بتمثل؟ قلت والأكل اللي كنتِ بتديهولي؟ واللي حصل اليومين دول؟ ده كان جزء من الخطة؟ حماتي غطت وشها بإيديها. أيوه. محمود وقف مرة واحدة. إنتِ بتعترفي بإيه يا ماما؟! قالت وهي بټعيط كنت عايزة أخلي ندى تحس إنها مش قادرة تهتم بالولد، وإنها عبء عليك. كنت فاكرة لو تعبت أكتر، هتوافق تسيب الولد عندي فترة، وبعدها أقدر أضغط عليها عشان تتنازل عن حقها في الميراث. أنا حسيت ببرودة في أطرافي. يعني كنتِ عايزة تضعفيني عشان آخد قرار وأنا مش قادرة؟! هزت راسها، وماقدرتش تبصلي. أيوه. محمود صړخ ده مش مجرد غلط يا ماما! إنتِ كنتِ بتعرضي صحتها وصحة ابني للخطړ! حماتي عيطت أكتر وقالت أنا عارفة، ومش هطلب منكم تنسوا. بس أنا ندمانة. قلت لها طيب والست اللي جبتيها؟ ردت دي واحدة أعرفها، وكنت فاهمة إنها هتقنعك تسيبي الولد عندي مؤقتًا، لكن لما لقيتها بتقولك الكلام بالطريقة دي، اتعصبت منها. محمود قال ومين اللي كنتِ بتكلميها في التليفون؟ حماتي سكتت، وبعدها قالت بنت خالي، سلوى. هي اللي كانت بتساعدني في موضوع الميراث، وكانت بتقوللي إن لو ندى وقعت على تنازل، كل حاجة هتخلص من غير محاكم. محمود هز راسه بحزن. يعني كنتِ بتخططي مع حد ضد مرات ابنك، وضد حفيدك، عشان الفلوس؟ حماتي ما ردتش. بعد لحظة، قامت من مكانها، وطلعت من شنطتها ظرف كبير. حطته على الترابيزة وقالت دي كل الأوراق اللي عندي. صور من الوصية، والخطابات، وبعض المستندات القديمة. أنا هسلمها للمحامي، ومش هعترض على تنفيذ حق ندى. محمود ما مدش إيده ياخد الظرف. قال ده أقل واجب كان لازم تعمليه من البداية. حماتي بصتلي وقالت ندى، أنا مش هطلب منك تسامحيني النهارده. أنا بس عايزاكي تعرفي إني كنت غلطانة، وإنك ماكنتيش تستاهلي أي حاجة من اللي حصلتلك. كنت عايزة أقولها إن كلمة آسفة مش كفاية، وإن الجوع اللي عشته، والخۏف اللي حسيت بيه، والليالي اللي بكيت فيها وأنا شايلة ابني، مش هيتشالوا من ذاكرتي بسهولة. لكن بدل ما أتكلم، قلت أنا مش هقدر أتعامل معاكي زي الأول، ومش هسمح لأي حد يتدخل في تربيتي لابني أو يتحكم في حياتي. لو عايزة تصلحي اللي عملتيه، يبقى لازم تحترمي حدودي، وتسيبي القانون ياخد مجراه. هزت راسها وقالت حاضر. وبعدها خرجت من البيت. محمود قفل الباب، ووقف ساكت شوية. كنت فاكرة إنه هيعيط أو يزعق أو يقول إنه مش قادر يصدق اللي حصل، لكنه فضل واقف مكانه، وكأنه بيحاول يستوعب إن أمه اللي ربته وسهرت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *