على قد مرتبك للـ الكاتبة نرمين عادل همام

ياسمين فضلت باصة للصورة.
افتكرت هدوم الشغل الزرقا، وساعات الوقوف الطويلة في المستشفى، والمطبخ، والعيون اللي كانت بتبصلها باحتقار، والمية الباردة اللي اضطرت تستحمى بيها في الليلة دي.
وافتكرت الجملة اللي اتقالت لها وكأنها حكم نهائي على قيمتها:
«على قد اللي بتكسبيه».
لفترة طويلة، كانت فاكرة إن صمام البوتاجاز الأحمر ده هو السبب في انهيار كل حاجة.
لكنها دلوقتي فهمت إن الموضوع مكنش متعلق بصمام، ولا بفاتورة، ولا حتى بمبلغ الفلوس اللي اختفى.
المشكلة الحقيقية كانت إنها سمحت لناس تانية يحددوا قيمتها على أساس أرقام هما نفسهم مكنوش فاهمينها.
ردت على سعاد:
«ارميه يا طنط، أنا مش محتاجة أحتفظ بيه».
سعاد ردت:
«متأكدة؟»
ياسمين ابتسمت وهي بتكتب:
«أيوه، متأكدة. خلاص، مبقاش ليه مكان في حياتي».
بعد دقائق، بعتت لها سعاد صورة تانية.
الصمام الأحمر كان مرمي في سلة الزبالة.
ياسمين ضحكت، وقفلت الموبايل، وكملت شغلها.
خلصت ورديتها الساعة تسعة وتمنتاشر دقيقة بالليل.
رجعت شقتها وهي مرهقة، خلعت الجزمة، وراحت الحمام.
فتحت الدش، واستنت ثواني لحد ما المية سخنت.
وقفت قدام المراية، وبصت لنفسها للحظات.
المرة دي، مكنتش بتفكر في محمود، ولا سعاد، ولا الفواتير، ولا الفلوس اللي راحت.
كانت بتفكر في نفسها، وفي كل المرات اللي أقنعت فيها نفسها إن السكوت هو الحل، وإن التضحية المستمرة هي تمن الحفاظ على البيت.
وبعدين دخلت تحت المية الدافية.
ولأول مرة من سنين، محستش إن الاستحمام بمية سخنة رفاهية لازم تستحقها أو تدفع تمنها من كرامتها.
كان مجرد حق طبيعي، حاجة بسيطة اختارت إنها توفرها لنفسها.
لأنها أخيرًا فهمت إن الإنسان مش محتاج يثبت قيمته بمرتب، ولا بعدد الفواتير اللي بيدفعها، ولا بكمية التضحيات اللي بيقدمها للآخرين.
قيمتها مكنتش يومًا على قد اللي بتكسبه، ولا على قد اللي بتدفعه.
قيمتها كانت موجودة من البداية، حتى في الليلة اللي حاولوا يقنعوها فيها بعكس كده.
والنهارده، وهي واقفة تحت المية الدافية في شقتها الصغيرة، عرفت إن فيه حاجات ممكن تخسرها وتبدأ من جديد، وفيه حاجات لازم تحافظ عليها مهما حصل.
وأهم حاجة فيهم كانت نفسها.
النهاية.
