على قد مرتبك للـ الكاتبة نرمين عادل همام

كان سامع كل كلمة.
بصلي ثانيتين، وبعدها رجع عينه للموبايل.
حسيت إن الموقف كله وجعني، لكن تجاهل محمود ليا كان أقسى من كلام أمه.
بصيتله وقلت:
ـ إنت مش هتقول حاجة يا محمود؟
رفع عينه من الموبايل واتنهد بضيق.
ـ يا ستي، أمي مش قصدها حاجة. هي بس بتحاول توفر في مصاريف البيت. ماتكبريش الموضوع وتعملي منه مشكلة.
فضلت باصة له شوية.
يعني أنا اللي بعمل مشكلة؟
أنا اللي راجعة من شغلي مهدودة، وكل اللي طلبته دش سخن، بقيت أنا اللي مكبرة الموضوع؟
أما الست اللي قفلت السخان، فبتحافظ على مصاريف البيت!
ضحكت بيني وبين نفسي، لكن ما طلعتش مني ولا كلمة.
لأن الحقيقة إن الموقف ده ماكانش أول مرة يحصل.
من تلات سنين، لما والد محمود، الحاج عبد الحميد، توفى، حماتي قالت إنها مش قادرة تعيش لوحدها في شقتها في شبرا.
كانت ركبتها بتوجعها، وخايفة تقع وهي لوحدها بالليل، ومش عارفة تتصرف في مشاوير الدكاترة، ولا فواتير البيت، ولا تصليحات السباكة والكهربا.
وقتها محمود طلب مني إننا ناخدها تعيش معانا فترة مؤقتة.
قالي إنها كام شهر بس، لحد ما تتعود على حياتها الجديدة وتبقى قادرة تدبر أمورها.
وافقت من غير تردد.
دي أمه، وفي مقام أمي، وكنت شايفة إن واجبنا نقف جنبها بعد وفاة جوزها.
لكن الكام شهر بقوا تلات سنين.
ومع الوقت، اكتشفت إن اللي كنت فاكرة إنه هيبقى مساعدة بسيطة ومؤقتة، اتحول لمسؤولية كاملة فوق دماغي.
محمود كان بيدفع قسط عربيته، واشتراك الإنترنت، وجزء من فاتورة الكهربا.
أما حماتي، فكانت دايمًا تقول إنها بتصرف على نفسها من المعاش بتاعها، وإنها مش حمل على حد.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
أنا اللي كنت بجيب طلبات البيت كل أسبوع.
أنا اللي كنت بشتري المنظفات والصابون ومساحيق الغسيل وأكياس الزبالة.
أنا اللي كنت بدفع فاتورة المية، ومصاريف صيانة العمارة، والتاكسي اللي حماتي بتركبه عشان تروح للدكتور أو جلسات العلاج الطبيعي.
وكنت كمان بشارك في تمن أدويتها، وبصلح الحاجات اللي بتبوظ في البيت، من اللمبات المحروقة لحد الحنفيات اللي بتسرب مية.
كل حاجة صغيرة لوحدها كانت بتبان مبلغ بسيط، لكن لما تجمعهم في آخر الشهر، تكتشف إن نص مرتبك تقريبًا رايح على حاجات محدش حتى بيفكر يسألك إذا كنتِ قادرة تدفعيها ولا لأ.
