زهرة الربيع

أستوعب
أمانة إيه يا ماما؟
لكنها ما جاوبتش.
فضلت تبكي، وبعدها قالت جملة واحدة قلبت كل حاجة في دماغي
أبوك كان آخر شخص شاف دفتر الحسابات قبل ما يختفي.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
دفتر الحسابات اللي سعيد بيدور عليه، واللي ممكن يوضح حقيقة الالتزامات المالية القديمة، كان آخر شخص شافه أبويا.
يعني أمي كانت تعرف شريف منصور، وأبويا كان يعرف عماد، وفيه ورقة قديمة تخص سعيد موجودة في صندوق عندنا من سنين.
بصيت لأمي وقلت
إنتِ كنتِ عارفة من البداية إن فيه علاقة بين عيلتنا وعيلة سعيد؟
أمي هزت راسها ببطء.
كنت أعرف إن أبوكي كان بيساعدهم في موضوع قديم، لكن ما كنتش أعرف تفاصيل الحسابات.
سألتها
وليه لما عرفتي إني هتجوز سعيد، ما قلتيليش؟
أمي مسحت دموعها وقالت
لأن أبوكي طلب مني ما أفتحش الموضوع ده إلا لو اضطرينا. وأنا لما عرفت إنك اتخطبتي لسعيد، خفت إن الماضي يرجع يوجعك.
قلت لها
لكن إنتِ ما حاولتيش تعرفي الحقيقة. إنتِ قررتي توقف الجوازة من غير ما تسمعيه.
أمي نزلت عينيها للأرض.
ولأول مرة، ما حاولتش تدافع عن نفسها.
قالت بصوت مكسور
أنا غلطت يا ندى.
سكتنا إحنا الاتنين.
وبعد لحظات، سألتها
طيب، الورقة دي بتقول إيه؟
أمي بصت للورقة، وبعدين قالت
مش عارفة. أنا عمري ما فتحتها.
فردتها على الترابيزة، وبدأت أقرأ.
كانت مكتوبة بخط أبويا، وفيها جملة واحدة واضحة
تم تسليم الدفتر إلى صاحبه الشرعي، بحضور الشاهدين، على أن يتم إغلاق الحسابات بعد مراجعة المستندات الأصلية.
وتحت الجملة، كان فيه توقيع أبويا، وتوقيع تاني مش واضح بالكامل.
لكن في آخر الورقة، كان فيه عنوان قديم مكتوب بخط صغير.
عنوان مخزن في حي قديم في القاهرة.
رفعت عيني لأمي.
ماما، إنتِ تعرفي العنوان ده؟
بصت للورقة، ووشها شحب.
وقالت
أيوه.
سألتها بسرعة
فين؟
ردت بصوت مرتعش
ده عنوان المخزن اللي أبوكي كان بيحتفظ فيه بأوراق شغله القديمة.
مسكت الورقة بإيدي، وقلبي بيدق پعنف.
لأننا أخيراً بقينا قدام دليل ممكن يوصلنا للدفتر.
لكن قبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، موبايل أمي رن.
بصت للشاشة، ولما شافت الرقم، إيديها بدأت ترتعش.
سألتها
مين؟
ما ردتش.
الموبايل فضل يرن، وهي باصة له كأنها خاېفة ترد.
وفي النهاية، ضغطت على زر الإجابة، وفتحت مكبر الصوت من غير ما تتكلم.
جالنا صوت راجل، هادي لكنه حاسم
مساء الخير يا صفية.
أمي غمضت عينيها.
الراجل كمل
واضح إنك فتحتي الصندوق أخيراً.
أنا بصيت لأمي، وبعدها للموبايل.
الراجل كان عارف الصندوق، وعارف إنها فتحته.
أمي ردت بصوت مرتعش
إنت عايز إيه يا شريف؟
شريف منصور.
الاسم اللي ظهر في أوراق سعيد، واللي أمي اعترفت إنها تعرفه.
قال بهدوء
أنا عايز اللي اتفقنا عليه من سنين. والورقة اللي عندك دي لازم ترجع لمكانها.
أمي قالت
إنت قلت لي إن الموضوع انتهى!
رد
الموضوع ما انتهيش، وإنتِ عارفة كويس إن فيه ناس دفعت تمن سكوتها سنين طويلة.
أنا قربت من الموبايل وقلت
إنت مين؟ وإيه علاقتك بأبويا وبسعيد؟
سكت الطرف التاني لحظة.
وبعدين قال
إنتِ ندى؟
قلت
أيوه.
تنهد وقال
يبقى واضح إن الوقت جه عشان تعرفي الحقيقة. لكن مش على التليفون.
سألته
طيب، نتقابل فين؟
رد
بكرة الساعة ستة، في العنوان المكتوب على الورقة. تعالي مع أمك، ولو عايزة سعيد يعرف الحقيقة، خليه ييجي معاكي.
وبعدين أضاف قبل ما يقفل
لكن لازم تكونوا مستعدين تسمعوا حكاية مش هتعجب حد فيكم.
الخط اتقفل.
فضلت باصة للموبايل، وبعدها بصيت لأمي.
كانت بټعيط بصمت، وإيديها بتترعش.
سألتها
ماما، إيه اللي حصل زمان؟
ردت وهي بتمسح دموعها
بكرة هتعرفي.
لكن أنا ما كنتش مستعدة أستنى.
قلت لها
لأ يا ماما. أنا استنيت كتير، وكل يوم بتظهر حاجة جديدة. لو فيه حاجة تخص أبويا، أو تخص سعيد، أو تخص حياتي، لازم أعرفها دلوقتي.
أمي رفعت عينيها ليا، وقالت بصوت مكسور
أبوك ما كانش مجرد شخص بيساعد عيلة سعيد. أبوكي كان الشاهد الوحيد على اتفاق قديم، ولو الاتفاق ده اتكشف بالكامل، ناس كتير هتضطر تواجه حاجات حاولت تنساها سنين.
حسيت إن قلبي بيتقبض.
ناس مين؟
أمي سكتت، وبعدها قالت
عماد… وشريف… ويمكن كمان ناس من عيلتنا.
تاني يوم، الساعة خمسة ونص، كنت واقفة قدام المراية، بجهز نفسي للمقابلة.
كنت اتفقت مع سعيد وخالي إننا نروح كلنا سوا، وإن أي كلام يتقال يتسجل في محضر رسمي لو احتاج الأمر، وإننا ما نمضيش على أي ورقة ولا نسلم أي مستند قبل ما المحامي يراجعه.
أمي كانت قاعدة على طرف السرير، ماسكة صورة أبويا القديمة.
قلت لها
جاهزة يا ماما؟
رفعت عيني وقالت
أنا مش عارفة إذا كنت جاهزة ولا لأ، لكن لازم أروح.
نزلنا، ولقينا سعيد وخالي مستنيينا تحت.
سعيد أول ما شافني، قرب وسألني
إنتِ كويسة؟
قلت له
أيوه، بس فيه حاجات كتير لازم نتكلم فيها.
هز راسه.
هنسمع كل حاجة، وبعدها نقرر.
ركبنا العربيات، واتحركنا ناحية العنوان القديم.
المخزن كان موجود في شارع جانبي ضيق، في منطقة قديمة من القاهرة، بعيد عن الشوارع الرئيسية. المبنى كان قديم، وبابه الحديد متآكل من الأطراف، وفوقه لافتة باهتة مش باين منها غير كلمتين.
نزلنا من العربيات، وخالي اتصل بالمحامي عشان يعرفه إننا وصلنا.
بعدها قرب سعيد من الباب وخبط.
بعد ثواني، الباب اتفتح.
كان واقف قدامنا راجل في الستينات، شعره أبيض، ووشه فيه
