شيمو
بعد أن انصرف…
دخلت إلى الصالة.
وقفت أمام صورة أبي.
لكن هذه المرة…
لم أقل شيئًا.
اكتفيت بابتسامة.
لأنني أدركت أن الإنسان لا يموت حين يتوقف قلبه…
بل حين يتوقف أثره.
وأبي…
كان أثره لا يزال يسير على قدميه، في هيئة طبيب، ومهندس، وعامل، وطفل شبع بعد جوع، وأرملة وجدت من يساندها، وأسرة تعلمت أن الرحمة لا تُشترى.
وفي مساء ذلك اليوم…
دخل حفيدي يحمل ورقة.
وقال:
ـ “تيتا… المدرسة طلبت مننا نكتب: (من هو قدوتك؟)”
ابتسمت.
وقلت:
ـ “وهتكتب عن مين؟”
قال بثقة:
ـ “عن جدي محمود.”
قلت:
ـ “بس إنت ما لحقتش تعيش معاه غير سنين قليلة.”
ابتسم وقال:
ـ “مش لازم أشوف الإنسان بعيني علشان أعرفه… أنا شوفته في أخلاقكم.”
سكتُّ…
وشعرت أن كل التعب الذي مر على أسرتنا لم يذهب هباءً.
فالرجل الذي خاف يومًا أن تفرقنا الدنيا…
أصبح بعد رحيله السبب الذي يجمعنا كلما افترقنا.
والأب الذي كان يخفي ديونه حتى لا يثقل قلب ابنته…
ترك لها كنزًا أكبر من أي مال.
ترك لها اسمًا…
كلما ذُكر، قال الناس:
“الله يرحمه… كان راجلًا طيبًا.”
وأدركت في تلك اللحظة…
أن أجمل نهاية للإنسان ليست أن يترك وراءه ثروة…
بل أن يترك وراءه دعوة صادقة، تخرج من قلب غريب، لم ينسَ له معروفًا، حتى بعد مرور العمر كله.بعد أعوام…
صار عمري يقترب من السبعين.
وكلما فتحت نافذة البيت في الصباح، كنت أشعر أن أبي ما زال هنا.
ليس بجسده…
ولكن في كل ركن من أركان المكان.
وفي يوم، كنت أرتب صندوقًا قديمًا، فوجدت دفترًا صغيرًا لم أره من قبل.
كان غلافه مهترئًا، وصفحاته صفراء من الزمن.
فتحته…
فوجدت أنه ليس مذكرات…
بل قائمة.
في أعلى الصفحة كتب أبي:
“أمانات عند ربنا… قبل أن تكون عند الناس.”
تحتها أسماء كثيرة.
وبجوار كل اسم جملة قصيرة.
“أبو حسن… يحتاج عملية.”
“أم أحمد… بنتها في الجامعة.”
