شيمو

 

وقالت:

 

ـ “لو لا ربنا ثم جدك، كان زمان حياتي انتهت وأنا طفلة.”

 

لم أتمالك نفسي.

 

دعوتها للدخول.

 

وجلست تحكي لنا مواقف لم نكن نعرفها.

 

كل حكاية كانت تجعل صورة أبي تكبر أكثر في قلوبنا.

 

بعد أن غادرت…

 

نظرت إلى صورة أبي المعلقة على الحائط.

 

وقلت بصوت خافت:

 

ـ “كنت بتعمل كل ده، وإحنا مش عارفين.”

 

ابتسم ابني وهو ينظر إلى الصورة.

 

وقال:

 

ـ “يمكن علشان كده ربنا ستره في حياته… وخلّى الناس تدعيله بعد وفاته.”

 

وفي مساء ذلك اليوم…

 

أخرجت الرسالة التي تركها أبي.

 

لكن هذه المرة لم أقرأها وحدي.

 

جمعت أحفاده حولي.

 

وقرأت لهم كل كلمة.

 

ولما انتهيت…

 

رفع أصغر حفيد رأسه وقال ببراءة:

 

ـ “هو جدو في الجنة دلوقتي؟”

 

نظرت إليه، وابتسمت والدموع في عيني.

 

وقلت:

 

ـ “إحنا ندعو له، ونرجو من ربنا أن يكرمه برحمته الواسعة. والله وحده هو الذي يعلم مصير عباده.”

 

هز الطفل رأسه.

 

ثم جرى إلى حصالة صغيرة كانت على الرف.

 

أخرج منها عملة معدنية.

 

ووضعها في “صندوق جدو”.

 

وقال:

 

ـ “دي أول صدقة عن جدو.”

 

ساد الصمت في البيت.

 

لكن هذه المرة…

 

لم يكن صمت حزن.

 

كان صمتًا مليئًا بالامتنان.

 

امتنان لرجلٍ عاش بسيطًا…

 

ورحل بصمت…

 

لكنه ترك خلفه عائلة تعلّمت أن أعظم ميراث ليس المال، ولا البيوت، ولا الأراضي…

 

بل أن يظل الخير جاريًا بعد رحيل صاحبه، في كل قلبٍ أحبه، وكل يدٍ امتدت لتساعد محتاجًا اقتداءً به.بعد أعوام طويلة…

 

أصبح شعري يميل إلى البياض.

 

وأصبحت أنا الجدة التي يجلس حولها الأحفاد كل مساء جمعة.

 

وكان هناك سؤال لا يتغير أبدًا.

 

ـ “يا تيتا… احكيلنا حكاية جدو محمود.”

 

فأبتسم.

 

وأبدأ من البداية…

 

من يوم الطلاق.

 

ومن الرغيفين الناشفين.

 

ومن الديون التي لم نكن نعرف عنها شيئًا.

 

وأحكي لهم كيف يمكن لسوء الفهم أن يهدم بيتًا…

 

وكيف يمكن للحقيقة أن تبنيه من جديد.

 

وفي إحدى الليالي…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *