شيمو
ـ “ودلوقتي بقيت مدرس هنا.”
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت:
ـ “أكيد كان هيكون فخور بيك.”
رد بهدوء:
ـ “أنا اللي فخور إني كنت سبب صغير في استمرار الخير اللي بدأه.”
وفي طريق العودة…
مررت أمام المقابر.
نزلت من السيارة.
ووقفت أمام قبر أبي.
وقلت:
ـ “يا بابا…
كنت فاكر إن الخير اللي بتعمله هينتهي لما تمشي…
لكن ربنا خلاه يكبر بعدك أكتر.”
وضعت باقة ورد بسيطة.
وقرأت ما تيسر من القرآن.
ثم همست:
ـ “إحنا لسه بنحاول نكون نسخة صغيرة منك.”
وغادرت المكان…
وأنا على يقين أن بعض الناس لا يتركون خلفهم مجرد ذكريات…
بل يتركون نورًا، كلما سار فيه أحد، أضاء الطريق لغيره.وبعد سنواتٍ أخرى…
لم يعد في الحي أحد من الجيران القدامى تقريبًا.
تغيرت البيوت…
وتبدلت الوجوه…
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
كلما مر أحد أمام بيتنا، قال:
ـ “الله يرحم الحاج محمود.”
وفي أحد الأيام…
جاءني اتصال من المدرسة التي كان أبي يمر عليها كل صباح.
قالت المديرة:
ـ “إحنا بنجهز احتفال بمناسبة مرور خمسين سنة على إنشاء المدرسة… وحابين حضرتك تشرفينا.”
استغربت.
قلت:
ـ “أنا؟ ليه؟”
قالت بابتسامة:
ـ “لأن فيه تكريم خاص لوالد حضرتك.”
ذهبت وأنا لا أفهم شيئًا.
دخلت قاعة الاحتفال.
وكانت مليئة بالطلاب والمعلمين.
وفجأة…
صعد رجل مسن إلى المسرح.
كان مدير المدرسة السابق.
أمسك الميكروفون وقال:
ـ “يمكن أغلبكم ما يعرفش الحاج محمود…”
ثم أشار نحوي.
ـ “لكن الراجل ده كان سبب إن عشرات الأطفال يكملوا تعليمهم.”
ساد الصمت.
وأكمل:
ـ “كل سنة، قبل بداية الدراسة، كان ييجي المدرسة في هدوء، ويسيب ظرف فيه فلوس، ويقول: ادفعوا بيها مصاريف اللي مش قادر… بس أوعوا تقولوا اسمي.”
شهقت.
وأحسست أن قلبي يخفق بقوة.
أنا…
ابنته…
وكنت أسمع هذه الحكاية لأول مرة.
أخرج المدير القديم سجلًا قديمًا.
