شيمو
سألته:
ـ “تقصد إيه؟”
قال:
ـ “هنعمل منه مبادرة صغيرة.”
ومن يومها…
صار كل شهر، تجتمع العائلة.
نجمع ما نستطيع.
ونبحث عن أسرة تحتاج مساعدة.
مرة ندفع مصاريف دراسة لطفل.
ومرة نشتري دواء لمريض.
ومرة نجهز عروسة يتيمة.
ولم نكن نكتب أسماءنا أبدًا.
كنا نكتب على كل ظرف عبارة واحدة فقط:
“من شخص علّمنا أن الخير لا يحتاج إلى تصفيق.”
وبعد سنوات…
لم يعد الناس في الحي يقولون:
“ده بيت الحاج محمود.”
بل كانوا يقولون:
“ده البيت اللي الخير عمره ما وقف عند بابه.”
وقفت يومًا أمام صورته، بعدما غادر معظم الضيوف.
ابتسمت وأنا أمسح الغبار عن الإطار.
وقلت بهدوء:
ـ “اطمن يا بابا…
البيت اللي خفت عليه…
لسه واقف.
والحب اللي زرعته…
لسه بيكبر.
وأثرك…
لسه بيعيش في كل واحد فينا.”وفي أحد أيام الشتاء…
كنت أجلس وحدي في الشرفة، أمسك كوب الشاي الذي كان أبي يحبه.
أنظر إلى السماء…
وأبتسم.
لم أعد أبكي كلما تذكرته.
صار الحنين أهدأ.
وأقرب إلى الدعاء منه إلى الدموع.
وفجأة…
سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
فتحت.
وجدت شابًا في أواخر العشرينات، يحمل في يده باقة ورد.
قال بأدب:
ـ “حضرتك بنت الحاج محمود؟”
قلت:
ـ “أيوه.”
ناولني الورد.
وقال:
ـ “أنا جيت أوفي دين.”
استغربت.
قلت:
ـ “دين إيه؟”
ابتسم وقال:
ـ “وأنا صغير، كنت ببيع مناديل في الإشارة. في يوم الدنيا كانت شتا، وكنت بردان جدًا.”
سكت لحظة…
ثم أكمل:
ـ “والدك اشترى مني كل اللي معايا، مع إنه ما كانش محتاجهم. وبعدها دخلني مطعم، وخلاني آكل، واداني جاكيت قديم كان لابنه.”
شهقت.
قال:
ـ “قبل ما يمشي، قالي جملة عمري ما نسيتها…”
ـ “لما ربنا يوسع عليك، اوعى تنسى اليوم ده.”
خفض رأسه وهو يبتسم.
ـ “الحمد لله… دلوقتي عندي شركة صغيرة، وكل شتاء بوزع بطاطين وأكل على الناس. وكل مرة أعمل خير، بدعي له.”
دموعي نزلت في صمت.
قلت:
ـ “هو عمره ما حكى لنا عن الموقف ده.”
ضحك الشاب.
وقال:
ـ “الخير اللي بيتحكى عنه بيخلص… لكن الخير اللي يستخبى، ربنا هو اللي بيكتبه.”
