شيمو
ما قدرتش أكمل القراءة.
حضنت الورقة، وفضلت أبكي.
دخل ابني بهدوء.
شافني، وقعد جنبي.
قال:
ـ “دي رسالة جدو؟”
هززت رأسي.
أخد الورقة، وقرا آخر سطر بصوت متهدج.
ثم بص لي وقال:
ـ “ماما… إحنا لازم نكمل اللي بدأه.”
سألته وأنا أمسح دموعي:
ـ “إزاي؟”
ابتسم وقال:
ـ “كل سنة في يوم وفاته… نعمل أكل ونوزعه، ونساعد حد محتاج، ونفتكره بالدعاء.”
ابتسمت رغم وجعي.
وقلت:
ـ “دي أحسن هدية ممكن نوصلها له.”
ومن يومها…
بقى يوم رحيل أبويا مش يوم حزن وبس…
بقى يوم خير.
يوم ندعي له، ونتصدق عنه، ونحكي لأولادنا وأحفادنا عن رجل بسيط، لم يكن يملك الكثير…
لكنه ترك وراءه قلوبًا امتلأت حبًا، وبيتًا تعلّم أن الرحمة هي أثمن ميراث يمكن أن يتركه أب لأبنائه.مرت عشرة أعوام…
وأصبح البيت الذي تعب أبي من أجله عامرًا بالأحفاد.
كان ابني قد تخرج، وبدأ يعمل، وصار كلما قبض أول راتب في الشهر، يفعل شيئًا واحدًا قبل أي شيء.
يفتح درجًا صغيرًا في الصالة…
ويضع فيه ظرفًا أبيض.
سألته مرة:
ـ “إيه الظرف ده؟”
ابتسم وقال:
ـ “سميته صندوق جدو.”
استغربت.
قال:
ـ “أي حد في العيلة يتزنق، أو حد من الجيران يحتاج مساعدة، نطلع منها من غير ما يعرف مين اللي دفع.”
وقفت أنظر إليه طويلًا.
نفس الفكرة…
لكن بروح جديدة.
وفي إحدى الليالي…
رن جرس الباب.
فتحت، فوجدت سيدة كبيرة في السن.
قالت بتردد:
ـ “هو ده بيت الحاج محمود؟”
ابتلعت غصتي، وقلت:
ـ “أيوه… حضرتك تعرفيه؟”
ابتسمت وهي تمسح دموعها.
وقالت:
ـ “من أكتر من خمسة عشر سنة، بنتي كانت هتسيب المدرسة علشان مقدرناش ندفع المصاريف.”
سكتت لحظة.
ثم أكملت:
ـ “أبوك دفعها كلها، وقال لمدير المدرسة: أوعوا البنت تعرف مين دفع.”
نظرت إليها في دهشة.
قالت وهي تشير إلى فتاة تقف خلفها:
ـ “دي بنتي… بقت دكتورة النهارده.”
تقدمت الفتاة، وقبّلت رأسي.
