شيمو

 

لكن كان فيه شيء افتقدناه سنوات طويلة…

 

الدفء.

 

ضحكاتنا كانت تملأ البيت.

 

وابني كان يجري بين جده وخالته، يضحك من قلبه.

 

ونظرت إلى أبي، فوجدته يراقبنا في صمت، وعلى وجهه ابتسامة رضا.

 

وقتها أيقنت…

 

أن بعض البيوت لا تنجو لأن ظروفها سهلة…

 

بل لأنها، مهما انكسرت، تعرف كيف تجتمع من جديد حول المحبة والرحمة.مرت خمس سنوات…

 

والبيت الصغير بقى مليان حياة.

 

ابني كبر، وبقى في أولى إعدادي.

 

وأختي بقت تزورنا كل أسبوع، هي وجوزها وولادها.

 

أما أبويا…

 

رغم إن شعره كله شاب، لكنه كان لسه كل صباح يصحى قبل الكل.

 

يفتح الشبابيك، ويسقي الزرع اللي زرعه قدام البيت.

 

وفي صباح شتوي…

 

صحيت على صوت الباب بيخبط.

 

فتحت…

 

لقيت راجل كبير واقف.

 

قال باحترام:

 

ـ “الحاج محمود موجود؟”

 

قلت:

 

ـ “اتفضل.”

 

دخل وقعد.

 

أول ما أبويا شافه، قام حضنه.

 

واضح إنهم أصحاب من زمان.

 

بعد شوية، الراجل طلع ظرف من جيبه.

 

وحطه قدام أبويا.

 

قال:

 

ـ “فاكر يوم ما استلفت مني علشان عملية أم العيال؟”

 

ابتسم أبويا.

 

ـ “أنسى إزاي؟”

 

قال الراجل:

 

ـ “أنا جيت أرجعلك الورقة.”

 

استغربنا كلنا.

 

قال أبويا:

 

ـ “بس أنا سددت الدين من زمان.”

 

ابتسم الرجل وهو يهز رأسه.

 

ـ “عارف… بس الورقة دي احتفظت بيها علشان كل ما أشوفها أفتكر إن فيه راجل شريف، رغم ضيق حاله، عمره ما اتأخر يوم عن قسط، ولا حاول يهرب من حق.”

 

ثم مزق الورقة قدامنا.

 

وقال:

 

ـ “وأهو الدين انتهى في الدنيا… وربنا يجازيك في الآخرة.”

 

بعد ما مشي…

 

بصيت لأبويا.

 

لقيت عينه مليانة دموع.

 

قلت:

 

ـ “بتعيط ليه يا بابا؟”

 

قال بصوت متأثر:

 

ـ “مش علشان الورقة… علشان ربنا سترني. أصعب حاجة على الراجل إنه يحس إنه مكسور قدام أهل بيته.”

 

مسكت إيده.

 

وقلت:

 

ـ “ولا يوم كنت مكسور في عينينا.”

 

ابتسم.

 

لكن ابتسامته كانت مختلفة…

 

هادية.

 

كأنها ابتسامة واحد ارتاح بعد سنين طويلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *