شيمو
حطه قدامي وقال:
ـ “افتحيه.”
فتحته، ولقيت جواه جزء كبير من الفلوس اللي كنت بدفعها كل شهر.
بصيت له باستغراب.
ـ “إيه ده؟”
قال:
ـ “كنت كل ما تديهولي زيادة عن احتياج البيت، أحوش منه على قد ما أقدر. قلت يمكن ييجي يوم تحتاجيه.”
دموعي نزلت من غير ما أتكلم.
قلت:
ـ “بس دي فلوسك.”
ابتسم وقال:
ـ “لا… دي تعبك. وأنا عمري ما كنت هاخد تعب بنتي.”
في اللحظة دي، حسيت إن أغنى إنسانة في الدنيا، مش علشان الفلوس…
لكن علشان عندي أب، حتى وهو مكسور من الظروف، كان بيفكر يحافظ عليّ.
أخدت الظرف، ورجعته في إيده.
وقلت:
ـ “خليه يا بابا.”
استغرب وقال:
ـ “ليه؟”
ابتسمت وأنا ببص لابني اللي كان بيذاكر في الركن.
وقلت:
ـ “نفتحه دفتر توفير باسم حفيدك. كل شهر نحط فيه أي مبلغ، حتى لو صغير. علشان لما يكبر، يلاقي بداية أحسن من اللي إحنا بدأنا بيها.”
ابتسم أبويا، ودموعه لمعت في عينه.
وقال:
ـ “أهو ده الاستثمار الحقيقي… في مستقبل الولاد.”
ومن يومها، بقى عندنا عادة جميلة.
آخر كل شهر، قبل ما نصرف أي حاجة، كنا نحط مبلغ بسيط في الدفتر.
مش مهم كان خمسين جنيه، أو مية، أو أكتر.
المهم إننا بقينا مؤمنين إن البركة مش في كتر الفلوس…
البركة في المحبة، والتعاون، وإن كل فرد في البيت يشيل مع التاني من غير منّ ولا استغلال.
وعلّمت ابني درسًا عمره ما ينساه:
“البيت اللي أهله بيتقاسموا الحمل… عمره ما يقع، مهما كانت الظروف صعبة.”مرت سنة…
والحياة بدأت تهدى شوية.
يمكن ما بقيناش أغنيا…
لكن بقينا مرتاحين.
بقينا ناكل على سفرة واحدة، من غير ما حد يحس إنه شايل البيت لوحده.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت أبويا واقف قدام الباب لابس هدومه.
قلت باستغراب:
ـ “رايح فين يا بابا؟”
ابتسم وقال:
ـ “تعالي معايا.”
ركبنا المواصلات، ونزلنا قدام بيت صغير في آخر الشارع.
كان بيت متواضع، لكنه نضيف.
بصلي وقال:

