شيمو

 

ابتسمت.

 

وأحضرت دفترًا قديمًا كان أبي يكتب فيه مواعيده.

 

فتحت أول صفحة.

 

وكتبت عنوانًا كبيرًا:

 

“سيرة رجل لم يكن مشهورًا… لكنه غيّر حياة كل من عرفه.”

 

ومن يومها…

 

تحولت الحكايات التي كانت تُروى في جلسات العائلة…

 

إلى صفحات.

 

ثم إلى ذكريات.

 

ثم إلى إرثٍ لا يُورث بالمال…

 

بل بالأخلاق.

 

وهكذا، كلما رحل جيل…

 

وجد الجيل الذي بعده ما يذكره بأن الخير الصغير الذي يفعله الإنسان في صمت…

 

قد يصبح، يومًا ما، أعظم قصة تُحكى عنه.بعد مرور سنوات طويلة…

كنت قد تجاوزت الستين.

وصار البيت الذي بدأ بحجرتين صغيرتين، يمتلئ في كل مناسبة بأصوات الأبناء والأحفاد.

وفي كل عيد…

كان هناك كرسي واحد لا يجلس عليه أحد.

كرسي أبي.

لم يكن أحد يجرؤ على إزالته.

ليس لأننا ننتظر عودته…

بل لأن وجوده بيننا لم يغب يومًا.

وفي صباح أحد الأعياد…

دخل حفيدي الصغير وهو يحمل ظرفًا بنيًا.

قال:

ـ “تيتا… لقيت ده جوه الدولاب القديم.”

أخذت الظرف.

كان مغلقًا منذ سنوات.

وعليه بخط أبي:

“يفتح بعد عشرين سنة.”

تجمدت يدي.

اجتمعت العائلة كلها حولي.

فتحت الظرف ببطء…

وكانت بداخله ورقة واحدة.

بدأت أقرأ بصوت مرتجف:

“لو وصلتكم الرسالة دي… يبقى الزمن عدى بسرعة.”

“ولو لسه متجمعين حوالين سفرة واحدة، يبقى ربنا استجاب لأكبر دعوة كنت بدعيها كل ليلة.”

“أنا مش خايف عليكم من الفقر… الفقر بيتعوض.”

“أنا كنت خايف عليكم من القطيعة… لأنها لما تدخل بيت، بتاخد معاها البركة.”

سكتُّ لحظة…

ولم أستطع أن أمنع دموعي.

ثم أكملت القراءة:

“لو اختلفتم يومًا… افتكروا إنكم هتندموا على كل دقيقة زعل بعد ما يروح العمر.”

“ولو حد فيكم وقع… محدش يشمت فيه، خدوه بإيده.”

“ولو ربنا وسع رزق واحد منكم… يفتكر الأيام اللي كان فيها محتاج.”

“ولو قرأ حفيدي الرسالة دي… أقوله: يا ابني، خلي اسم عيلتنا مرتبط بالخير، مش بالغنى.”

رفع حفيدي رأسه، وقال بصوت متهدج:

ـ “أوعدك يا جدو.”

أغلقت الرسالة…

لكن لم يغلق أثرها.

في تلك الليلة…

قررنا شيئًا لم نكن قد فكرنا فيه من قبل.

قال ابني:

ـ “إحنا مش هنخلي صندوق جدو للعيلة بس.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *