شيمو
بعد أن انتهيت من الحكاية، اقترب حفيدي الأكبر.
وقال:
ـ “تيتا… أنا عندي اعتراف.”
ابتسمت.
ـ “قول يا حبيبي.”
قال وهو مطأطئ رأسه:
ـ “في المدرسة، في ولد فقير. كنت كل يوم أشوفه قاعد لوحده. افتكرت قصة جدو، فبقيت أجيبله سندوتش زيادة من غير ما يعرف إنه مني.”
ابتسمت.
لكن قبل أن أتكلم، قال حفيدي الأصغر:
ـ “وأنا كمان.”
ضحكت.
ـ “إنت عملت إيه؟”
قال بفخر:
ـ “حصالتي اتمليت… وديتها للمسجد علشان يشترو بيها بطاطين للناس.”
في تلك اللحظة…
شعرت أن أبي لم يرحل أبدًا.
كان يعيش في تصرفاتهم.
وفي كلماتهم.
وفي الرحمة التي امتلأت بها قلوبهم.
بعد أيام…
ذهبت مع ابني لزيارة قبر أبي.
وقفنا ندعو له.
وبعد أن انتهينا، قال ابني:
ـ “عارفة يا أمي؟”
قلت:
ـ “إيه؟”
قال:
ـ “زمان كنت فاكر إن جدو علمني بالكلام.”
سألته:
ـ “وطلع علّمك بإيه؟”
ابتسم.
وقال:
ـ “بالقدوة.”
ثم نظر إلى السماء وأكمل:
ـ “أصعب حاجة إنك تقول للناس اعملوا الصح… وأسهل ألف مرة إنك تعمله قدامهم.”
عدنا إلى البيت.
وعندما فتحنا الباب…
وجدنا صندوق “جدو” قد امتلأ.
لم يكن أحد يعرف من وضع المال.
ولا متى.
ولا كم مرة.
كل فرد في العائلة كان يضع فيه ما يستطيع…
في صمت.
كما كان يفعل أبي.
ابتسمت وأنا أنظر إلى الصورة المعلقة على الحائط.
وقلت في سري:
“يا بابا…
كنت خايف تسيبنا وإحنا مختلفين…
لكنك سبتنا وإحنا عيلة واحدة.
كنت خايف الفقر يكسرنا…
فاكتشفنا أن المحبة أغنى من أي مال.
وكنت تظن أن أعظم ما ستتركه لنا بيتًا…
لكن الحقيقة أنك تركت لنا ضميرًا حيًا، إذا رأى محتاجًا تحرك، وإذا أخطأ اعتذر، وإذا أحب… أحب بإخلاص.”
وأغلقت الأنوار في نهاية اليوم…
بينما كانت ضحكات الأحفاد تملأ أرجاء البيت.
وقتها فقط…
أيقنت أن الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها…
