شيمو
“عم سعيد… لا يحب أن يطلب من أحد.”
“الأرملة التي تسكن آخر الشارع… أوصلوا لها الطعام ليلًا حتى لا تشعر بالحرج.”
أغلقت الدفتر وأنا أبكي.
حتى بعد رحيله بسنوات…
كان يعلمني درسًا جديدًا.
الخير الحقيقي…
هو الذي يحفظ كرامة صاحبه.
في مساء ذلك اليوم…
جمعت أولادي وأحفادي.
وقرأت لهم ما في الدفتر.
قال حفيدي الأكبر:
ـ “يعني جدو كان فاكر الناس واحد واحد؟”
قلت:
ـ “أيوه… وكان يعتبر احتياجاتهم أمانة.”
رد ابني بهدوء:
ـ “إحنا هنكمل الدفتر.”
أخرج دفترًا جديدًا.
وكتب في أول صفحة:
“دفتر الأمانات.”
ومن يومها…
لم نعد نساعد الناس بشكل عشوائي.
صرنا نتابع الأرامل.
ونسأل عن المرضى.
ونطمئن على الطلبة غير القادرين.
لكن بشرط واحد…
ألا يعرف أحد أننا وراء المساعدة.
وفي ليلة من ليالي رمضان…
وقف شاب على باب بيتنا.
كان يحمل كيس تمر.
وقال:
ـ “أنا كنت واحد من الأطفال اللي كنتوا بتبعتولهم شنطة رمضان كل سنة.”
ابتسمت.
قلت:
ـ “الحمد لله.”
قال وهو يمد يده بالكيس:
ـ “النهارده بقيت أشتغل، وجيت أبدأ أول سنة ليا بنفس الطريقة.”
أخذت منه الكيس.
ولم أشعر بالفخر…
بل شعرت أن دائرة الخير اكتملت.
خيرٌ خرج من قلب أبي…
ثم مر بقلبي…
ثم وصل إلى ابني…
ثم إلى أحفادي…
ثم إلى أناس لم نعرف أسماءهم.
وفي آخر الليل…
جلست أمام صورة أبي.
وأشعلت المصباح الصغير الذي كان يحب الجلوس بجواره.
وقلت بصوت خافت:
ـ “يا بابا…
زمان كنت فاكرة إنك كنت بتحمينا بالأكل والفلوس.
لكن بعد العمر ده كله…
اكتشفت إنك كنت بتحمينا بحاجة أكبر.
كنت بتحمينا من إن قلوبنا تقسى.”
ثم رفعت يدي إلى السماء.
ودعوت له طويلًا.
ولأول مرة…
شعرت أن الحكاية لم تكن عن الديون…
ولا عن الرغيفين الناشفين…
ولا حتى عن الطلاق.
كانت الحكاية، من أولها لآخرها…
