شيمو
هزيت رأسي وأنا أوعده.
وفي داخلي كنت أعرف…
أن أعظم ميراث ممكن يتركه أب لابنته، ليس بيتًا ولا مالًا…
بل قلبًا يعرف كيف يحب، وكيف يصبر، وكيف يحفظ كرامة من حوله.مرّت ثلاث سنوات…
وكبر ابني.
بقى يروح المدرسة، ويرجع كل يوم يحكيلي عن أصحابه ومدرسيه.
وفي يوم، رجع زعلان.
حط الشنطة على الأرض وقال:
ـ “يا ماما… واحد صاحبي ضحك على زميل لينا علشان هدومه قديمة.”
قعدت جنبه.
وقلت:
ـ “وإنت عملت إيه؟”
قال:
ـ “افتكرت كلام جدو… إن الإنسان يتقاس بأخلاقه.”
ابتسمت.
قال وهو بيكمل:
ـ “روحت قعدت جنب الولد، ولعبت معاه.”
في نفس اللحظة…
لقيت أبويا واقف على باب الأوضة، وكان سامع الكلام كله.
مسح دمعة نزلت من عينه من غير ما يحس.
وقال:
ـ “الحمد لله… تعبي ما راحش.”
بعدها بأيام…
تعب أبويا فجأة.
دخل المستشفى يومين لإجراء فحوصات.
أنا وأختي مكناش بنسيبه لحظة.
كنا بنتبادل السهر جنبه.
وفي ليلة، وهو نايم، بصتلي أختي وقالت:
ـ “فاكرة اليوم اللي كنت بزعقلك فيه؟”
ابتسمت وقلت:
ـ “عدى خلاص.”
هزت رأسها وهي تبكي.
ـ “أنا كل ما أفتكره أزعل من نفسي. إنتِ سامحتيني بسهولة وأنا ما كنتش أستحق.”
مسكت إيدها.
وقلت:
ـ “إحنا أخوات… والبيت اللي يعرف يسامح، عمره ما يتفرق.”
حضنتني وهي بتعيط.
ولأول مرة من سنين…
رجعت أختي تبقى أقرب واحدة لقلبي.
الحمد لله، خرج أبويا من المستشفى بعد ما طمنّا الدكتور إن حالته مستقرة، وكل اللي محتاجه راحة واهتمام.
وأول يوم رجع فيه البيت…
جمعنا كلنا.
وقال وهو بيبص لوشوشنا واحد واحد:
ـ “أنا كنت دايمًا خايف أسيبكم وأنتم مختلفين.”
ردت أختي بسرعة:
ـ “اطمن يا بابا… خلاص بقينا سند لبعض.”
ابتسم.
وقال:
ـ “إذن أنا أغنى راجل في الدنيا.”
في تلك الليلة…
أعددنا عشاءً بسيطًا.
لا كان فيه أكلات فاخرة…
ولا مائدة كبيرة.

